

العابث بمياه الآخرين لن يسرق المريض الإنكليزي عافيته
احمد ثامر جهاد
رغم أن المؤلف غالبا ما يختار موضوعته التي يكتب فيها ، أيا كانت طبيعتها ، يحصل أحيانا أن وضعا غريبا غير متوقع ، يحشرك في زاوية قسرية موحشة لم تكن لتختارها بإرادتك . وضع يدبره غيرك بلامبالاة واستهزاء ومفسدة ، سيحدد لك موضوعك ويختارك للكتابة عنه مرغما هذه المرة . تلك ستكون كتابة عن الكتابة وما يتشاكل بها من مواقف وسلوكيات .
أرى كغيري إن المعرفة الحقة بأوسع معانيها هي مركب جدلي مزيج من وعي ناجز واخلاق رفيعة ، يجهد المثقفون لبلوغ ثمرة التوازن في معادلتها الأبدية الحساسة . وما أن يختل أحد طرفي المعادلة ، يصاب المنتج بخلل ملحوظ يفقده مصداقيته وامتيازه الإبداعي .
لكي ادخل مباشرة في الموضوع ، سأعرض عليكم صورة أخرى من صور الآفات التي تعبث بالحياة الثقافية العراقية والعربية . آفة خطيرة استشرت في حياتنا الثقافية لفترة طويلة من دون أن يصار إلى ردعها وتحجيمها وفضحها قبل أن تتحول إلى عادة حميدة ، نتغاضى عن شرورها البليغة في أيما بناء نرومه في حياتنا الراهنة .
إن تفشي السرقات الأدبية والنقدية المخاتلة تحت ذرائع التناصات والتخاطرات باتت ضربا من الاستغفال والاستهتار بعقول القراء وخروجا فاضحا على ابسط قواعد الكتابة وأخلاقيات النشر . حتى أن تلوثا كهذا لن يعفي المنبر الذي ينشر هكذا سرقات علنية من دون أدنى تحقق أو دراية ، من مسؤولياته الثقافية والأخلاقية إزاء الكتاب والمبدعين أينما كانوا .
· تنويه :
بالنسبة لي التزمت الصمت في حوادث من هذا النوع اكتشفتها بنفسي غير مرة ، ولكن أدركت انه لن يجدي الاستمرار بهذا الصمت مع من يلوث الهواء الذي تتنفسه .
· الواقعة والمفاسد :
على صفحة فنون نشرت جريدة ( الأديب ) العراقية في عددها المرقم 95 – والصادر في 9 تشرين الثاني 2005 مقالا تحت عنوان جماليات الخطاب السينمائي – تقنيات السرد في فيلم ( الأسطورة 1900 ) للكاتب رياض موسى سكران ، وفي الأسفل ذيل اسم الكاتب بعبارة فخمة تصفه ( ناقد وأكاديمي من العراق ) يفترض أنها تجتذب القارئ لجودة هذا النتاج الصادر عن أكاديمي وناقد معروف !!
هذا الناقد والأكاديمي المعروف وللأسف الشديد يبدو انه يعتاش على سرقة جهود الآخرين لأسباب قد تتراوح بين الفقر الذهني والرغبة في نيل مكافأة نشر بائسة ، فكانت تلك بحق إشارة لعجزه عن الإتيان بإبداع ذاتي جديد . هذا المقال المذكور أعلاه مسروق بطريقة ساذجة من دراسة مطولة لكاتب هذه السطور عنوانها ( اشتباكات المريض الإنكليزي – من الكلمة إلى الصورة ) نشرت غير مرة وفي اكثر من مكان ، نذكرها هنا :
1- مجلة الرافد الإماراتية : العدد 32 – أبريل 2000
2- صفحة الفن السابع في جريدة القادسية : الاثنين 1/11/1999
3- مجلة اور 2000 الصادرة عن اتحاد أدباء ذي قار : العدد 2 تشرين الثاني 1998
فضلا عن إعادة نشرها في عدد من المواقع الثقافية على الشبكة العالمية ، منها : الكاتب العراقي ، القصة العراقية ، الفيل السينمائي .. والاهم من ذلك كله إنها مضمنة في كتاب سينمائي سيصدر قريبا عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عنوانه ( عالمنا في صورة ) .
سنرى بالبراهين التفصيلية كيف اجهد هذا الناقد الأكاديمي نفسه في نسخ أو تحريف أو اجتزاء الكثير من فقرات الدراسة الأصلية ، مشوها معانيها واشتغالاتها وقيمتها النقدية ، ومتصورا في الوقت ذاته انه سينجو بفعلته هذه التي تدعو القارئ للتشكيك في جل نتاجه المنشور داخل العراق وخارجه . إن هذا الكاتب ( الأكاديمي ! ) يهزأ بعقل القارئ العراقي وبجميع القراء ، حينما يستبدل فيلم المريض الإنكليزي باعتباره مادة التحليل التطبيقي للمفاهيم النقدية للدراسة الأصلية ، بفيلم آخر لا علاقة له بتلك التطبيقات والمفاهيم ، وهو فيلم ( الأسطورة 1900) ويحاول بشكل مشوه اقتطاع الإطار النظري أينما ورد في الأصل ولصقه عنوة - أينما كان - بفيلم الأسطورة 1900 من دون أن تكون هنالك أية علاقة بين الفيلمين .
سنختار هنا بضعة نماذج لتلك الألاعيب اللصوصية ، ونقارن بين فقرات من النص المسروق والنص الأصلي :
1- اجتزأ الناقد الأكاديمي الفقرة الأولى من الدراسة الأصلية ليجعلها عتبة دخول أو استهلال نقدي لمقاله مع إبدال كلمة هنا أو تحريف جملة هناك ، محولا التصور النقدي العام في المقطع الأصلي إلى حكم مخصوص لفيلمه المقترح :
النص المسروق : 
{ لا تنأى التقنية السينمائية لفيلم ( الأسطورة 1900 ) عن دائرة تشكيل خطاب ذي دلالات متعددة ، يكتمل في حقل تأويلي تتآزر عناصره جنبا إلى جنب ، لتؤسس في النهاية أرضا للحكم النقدي … ولهذا الحكم مستويات عدة تدفعنا إلى تدقيق النظر قبل الشروع في استنتاجات قراءة خطاب الفيلم . هذه المستويات هي زاوية النظر ، أي الرؤية الإخراجية من جهة ، ولذة التلقي من جهة أخرى . }
النص الأصلي : 
{ لا تنفك اللغة السينمائية لأي فيلم عن كونها خطابا ذا دلالات متعددة يكتمل في حقل تأويلي تتآزر عناصره جنبا إلى جنب ، ليؤلف في النهاية أرضا للحكم الفني الذي يمكن للمشاهد أن يطلقه . لهذا الحكم مستويات عدة تدفعنا إلى تدقيق جيدا قبل الشروع في استنتاجات قراءة خطاب الفيلم . هذه المستويات بالنسبة للمشاهد هي زاوية النظر من جهة والحماسة أو اللذة من جهة أخرى . }
2- في فقرة لاحقة يتجنب ناقدنا الأكاديمي الفقرات التي تحيل مباشرة إلى فيلم المريض الإنكليزي في النص الأصلي ، ويختار فقرات نظرية أخرى تسهل عليه – باعتقاده - مهمة إقحامها في أي موضع يريد ، وكأن العملية النقدية بنظره هي مجرد فبركة ماهرة يمكن لها أن تنطلي على القارئ بمقدار إتقان احتيالها وتلفيقها . يحدث مثل هذا اللعب الفاضح في اكثر من موضع من مقال السيد ( الأكاديمي ) كتجنب الإشارة إلى اسم مخرج الفيلم وسنة إنتاجه وكاتب السيناريو ، فضلا عن أسماء بعض شخصيات الفيلم الشهيرة والمعروفة لمعظم القراء . والمفارقة أن ذلك يجري بطريقة مضحكة تنقض نفسها بنفسها بمجرد تأمل المعاني المقحمة على الفيلم الذي يختاره السيد ( الأكاديمي ) والتي تعود إلى فيلم آخر جرى تحليله وفق آلية اشتغال نقدي محكم حتمتها حكاية الفيلم وأسلوبه الفني . لكن صاحبنا يبدو غير معني بهذا التعقيد الجدي للكتابة أو انه لا يجيد أداء الممارسة النقدية وربما لا يفقه معناها بالأساس . سنرى مثلا هذه الفقرة التي ينسخ فيها السيد ( الأكاديمي ) حتى مواضع الفارزة والأقواس داخل الجملة ، وقد حدثت اكثر من مرة في مقاله :
النص المسروق :
{ ربما لا يمنح خطاب فيلم ( الأسطورة 1900) نفسه للمتلقي دفعة واحدة لأول وهلة ، وهو يحاول عن قصد أن يستعصي على متلقيه الذي يسعى إلى فك التباسات الصورة والمشهد ، مستعينا بفهم آليات ( اللعبة السينمائية ) لكن ما أن يتوغل اكثر ، حتى يجد نفسه في مواجهة الصلابة المغري
المزيد