الناقد السينمائي اللبناني نديم جرجورة يكتب عن سرقات سينمائية
كتبهاسرقات سينمائية ، في 11 تموز 2010 الساعة: 01:20 ص
سرقات سينمائية
نديم جرجورة

يجهد زملاء عرب، مقيمون في مدن غربية، في مطاردة سارقي مقالاتهم السينمائية النقدية، ومقالات أخرى أيضاً. أطلقوا مدوّنة إلكترونية أسموها «سرقات سينمائية». لم تعد سرقات كهذه تُحتمل. هكذا شعروا. رأوا أنها باتت جزءاً من سياق متكامل، يبدأ بالمقالة، ويكاد لا ينتهي عند كتب وأفلام. يُشنّون حملات واسعة ضد هؤلاء عبر المدوّنة الجديدة، أو عبر مواقع إلكترونية أو مدوّنات خاصّة بهم. يعتمدون، غالباً، لغة حادّة في التقريع والتنظير. يرون أنه يُفترض بهم مقارعة هذا الفعل المشين، الذي لا يطاله قانون. حدّة المقارعة وجه من وجوه «محاكمة ميدانية». الفضيحة أيضاً. القسوة الأقرب إلى الشتيمة.
يُدافع الزملاء عن حقّ يعتبروه شرعياً. السرقة محرّمة، أخلاقياً واجتماعياً وقانونياً. هذا كلّه صحيح. هذا أمر طبيعي. ما دام أن لا قانون يحمي الملكية الفكرية، في عالم عربي غارق في فساده وفوضاه وجهله، فإن ملاحقة السارقين وفضح ارتكاباتهم وتشويه صُوَرهم والإساءة إلى «سمعتهم»، ضرورية. حتى وإن لم يأبه السارقون بهذا. أو لم يكترث قرّاء، عددهم قليل أصلاً. ملاحقتهم، بالنسبة إلى الزملاء، طريق وحيدة إلى تعويض معنوي عمّا أصابهم جرّاء السرقة. ما دام السارقون لايخافون الفضيحة عندما يعتمدون السرقة منهجاً لهم، فإن عرض أفعالهم على الملأ الإلكتروني (هل هناك من يهتمّ بهذا، باستثناء قلّة قليلة، تكاد تكون محصورة بالزملاء أنفسهم، وبمقرّبين إليهم فقط؟)، يُعيد للمعتدى عليهم بعض حقوق مهدورة.
لا بأس بهذا. كاتب مقالة أو مؤلّف كتاب مستعد لخوض أشرس المعارك دفاعاً عن منتجاته. السارق ملعون. فعلته تُنذر بخواء الحالة الفكرية والثقافية العربية. إنها انعكاس لغياب المحاسبة. انعكاس لوضع مزرٍ يعانيه المجتمع العربي، في مجالات كثيرة. العالم العربي مشبع بحالات جمّة من السرقات الأدبية والفكرية، ناهيك عن السرقات الأخرى: مصادرة الحريات. تشديد الرقابة. فرض قوانين رجعية على السلوك والملبس والحركة والقول. تغييب الحقوق الطبيعية للمواطن. منع المواطن نفسه من العيش بكرامة. ناهيك عن السرقات العادية. هذا أفضى إلى غياب المسؤولية. أفضى إلى نهش الثقافة والفن، وتفريغهما من البُعد الأخلاقي للإبداع. السرقات التي تمارسها أنظمة وأحزاب وسلطات حاكمة لا تقلّ خطورة. تساهم في النهش والتفريغ أيضاً.
مواجهة سرقة المقالات النقدية حكرٌ على مجموعة صغيرة من الزملاء. محصورة هي، غالباً، في دائرة مصالح شخصية. غير مفيدة، لأنها مقيّدة بدائرة ضيّقة للغاية من المعارف. ضرورية هي. لكنها غير نافعة، لأنها لا تحدث إرباكاً للسارق، ولا تدفعه إلى التوقّف عن فعلته. أعتقد أن الاكتفاء بمطاردة السارقين لا يؤتي ثماراً طيّبة. هناك حاجة إلى نمط آخرمن الملاحقة. يستند على العمل الجدّي والدؤوب لإصدار قوانين، أو لتفعيل قانون حماية الملكية الفكرية.
لكن، ألا يدعو الحدث هذا إلى إعادة غربلة المكتوب، وطرح سؤالا لحراك النقدي العربي برمّته؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























