فيصل عبد الحسن يكتب عن الزمن المتبقي لمخرجه إيليا سليمان مقالاً مسروقاً من مقالات أحمد فايق، إبراهيم العريس، أمير العمري، وغيرهم…..؟
كتبهاسرقات سينمائية ، في 26 حزيران 2010 الساعة: 19:09 م
فيلم الزمن المتبقي لإيليا سليمان.. مفاجأة مهرجان كان
فيصل عبد الحسن
المصدر الأصلي إيلاف- الخميس 2 يوليوـ 2009

بعد حذف المقال المسروق من طرف المُشرف (السابق)على صفحة السينما في موقع "إيلاف"
نُشر المقال في موقع"موالي"بتاريخ 3 يوليو2009
وموقع "الإعلام الحقيقي" بتاريخ 2 يوليو 2009، ومُلتقيات أخرى…
وهذا يعني، بأنه حالما يُنشر مقال مسروق في موقعٍ ما، فإنه ينتقلُ بسرعة في فضاء الأنترنت، ويصبح من المُستحيل ضبط الوضع، وتنشر ثقافة سينمائية مسروقة
ماهو مُشارٌ إليه باللون الأحمر هي فقراتٌ مسروقة
أنظر الأصول في نهاية المقال
يتحجج الكاتب السارق، بأنه شاهد الفيلم عن طريق نسخةٍ مُقرصنة، ولم يكن الفيلم وقتذاك قد خرج إلى الأسواق
ومع فرضية مشاهدته للفيلم، كيف يبررُ كلّ هذه الفقرات المنقولة حرفياً من كتابات الآخرين ؟
ملاحظة
كيف يكتب فيصل عبد الحسن عن الفيلم بهذا التفصيل الذي لا يقدر عليه إلا من شاهد الفيلم، ومن ثم ينهي إحدى فقراته بهذه الجملة/أو الفقرة :
وينتهي الفيلم من دون حصوله على أية جائزة، رغم أنه، وبرأي النقاد، من الأفلام المتميزة جداً التي عرضت في المهرجان، وأحدهم علق على الفيلم، بأنه كان من الممكن أن يحصل على جائزة، ولكنه لم ينل أيةً منها لأسباب سياسية!.
****
فيصل عبد الحسن ـ الرباط
فيلم " الزمن الباقي" للمخرج إيليا سليمان، الذي صفق له أكثر من ألفي مشاهد في مهرجان "كان" ونقل للمشاهد الغربي بكل أمانة، ماضي وهواجس وأحلام عرب فلسطين 48، وكرم فيه المخرج والده فؤاد سليمان، ووالدته اللذين فضلا البقاء والمقاومة داخل الأراضي المحتلة بكل صور المقاومة المعروفة، ولم يستسلما،ومن خلال الفيلم نعرف وجهة نظر عرب48 الذين يواجهون باتهامات ظالمة بالعمالة للمحتل الإسرائيلي، وكأن المخرج إيليا سليمان يرد سينمائيا على التشكيك بهوية فيلمه، واعتبار البعض له كمخرج فلم إسرائيلي، على الرغم من أنه أكد لأكثر من منبر صحفي وإعلامي أن فيلمه عمل فلسطيني وعنوانه في مطبوعات مهرجان كان" فيلم فلسطيني، فرنسي مشترك" ويحمل بصمات فلسطين وأهلها العرب بشكل لا يخفى.
فيلمه الجديد جاء بعد فيلميه السابقين:"سجل اختفاء"و "يد إلهية"، لكننا في الفيلمين رأيناه من خلال ابنه وقد أصبح رجلاً وهو يعود إلى فلسطين، في الفيلم الأول نرى قصة فيلم، الزمن المتبقي غير المكتمل بعد، وفي الثاني، عاد ليشهد نهاية أبيه وما انتهت إليه فلسطين، وفي فلميه السابقين كنا شاهدنا أمه أيضاً، وكان زمننا الراهن بالطبع هو"تأريخ تصوير الفيلمين"، وقد أصبح والداه في أواخر عمريهما، فيلم إيليا سليمان حاول أن يرسم عبر السيرة الذاتية لوالده وأمه والعائلة في مدينة الناصرة، بعد عام النكبة 48 صورة مشرقة وناعمة لتلك الأيام، التي كان الحلم بالتحرير من الاحتلال الإسرائيلي لا يزال طريا وحالما، أكثر مما هو واقعي يرى الواقع الجديد بكل سوداويته، وبؤسه ،وما يحدث بالتدريج للفلسطينيين من تهميش ومسح الهوية، ومحاولة، لتغيير الأرض الفلسطينية، وجعلها أكثر ملائمة لتحقيق أحلام الدولة الإسرائيلية، ولأن الفيلم سيرة ذاتية ولكنه لم يكن بصراحة بعض أفلام السيرة الذاتية العربية، والأجنبية التي سبقته، فهو على سبيل المثال لم يرو لنا بجرأة وقوة كما فعل يوسف شاهين في أفلام سيرته،الأربعة،"إسكندرية ليه" و"حدوته مصرية" و"إسكندرية نيويورك" ولم يكن في سيرته مفتوحا للنهاية كما فعل فلليني في فيلمي سيرته "أماركورد"و "الثامنة والنصف".
قصة الفيلم
قصة فيلم "الزمن المتبقي" تتكون من قسمين، الأول يحكي سيرة عرب فلسطين، الذين تم تحويلهم عبر السنوات إلى عرب 48 في إسرائيل، والمخرج يسخر فيه بشدة من واقع الاحتلال القديم منذ بداية فيلمه، حين يظهر جندي عراقي تبدو عليه علامات الجدية، وهو على يقين تام إنه أتى لتحرير الأراضي العربية في فلسطين، ويلتقي مجموعة من الشباب في المقهى، لكنهم يواجهونه بسخرية مؤلمة تعكس إحباطهم، مؤكدين له أن الحرب انتهت بهزيمة ساحقة للجيوش العربية عام 1948، وعندها نرى فصول المأساة الفلسطينية، حين تظهر مدرعات إسرائيلية، وسيارات جيب تحمل جنودا إسرائيليين، وهي تقتحم شوارع الناصرة، ويقسم الجنود عنفهم على الجميع بالتساوي، فتفضل اسر فلسطينية الهروب من منازلها، وأخرى تقرر البقاء للمقاومة، ومن بين تلك الآسر أسرة فؤاد سليمان، والد المخرج،الذي كان يحب فتاة جميلة هي ثريا، والتي يقرر أهلها الرحيل عن الناصرة فيضحي بحبه لها من اجل البقاء في الوطن، و تهاجر ثريا إلى الأردن، وفؤاد يبقى ليقاوم، وحتى منزله الذي عاد إليه وجد الجنود الإسرائيليين يفرغونه من تراثه الثقافي، الذي يمثل ما جمعته الآسرة، الفلسطينية عبر أجيال مما خلفه الأجداد من أثاث تراثي وصحون ومشغولات تراثية، غاية في جمال الصنعة وحتى غرامفون الآسرة، الذي كانوا من خلاله يسمعون أغنيات المطربة ليلى مراد وصورة أب الأسرة التي نراه فيها شامخا.
وثيقة مرئية
هي إذاً سرقة للوطن وتراث الوطن بواسطة آلة عسكرية متوحشة قادمة كالقدر المسلَّط، ذلك ما يشعره المشاهد لفيلم إيليا إسماعيل، لقد قدم المخرج سيرة لفلسطين ولوالده، قدم حرب48 وتأسيس إسرائيل، وعرض الجيوش العربية، مهزومة، محبطة بقياداتها، وأعطانا وثيقة مرئية عن استسلام أعيان فلسطين، والناصرة بالذات، ورأينا هجرة السكان وانكسارهم، واستسلام قسم من الفلسطينيين لانتصار المنتصرين، وقدم المخرج كذلك المذابح الصهيونية لسكان القرى الفلسطينية، ومحاولات المحتل اقتلاعهم يوميا من أرضهم، وتدخله الممنهج في المناهج الدراسية بغرض تهويدها، وكشف لنا الفيلم ضآلة المتعاونين من الفلسطينيين مع المحتل، وبسالة الرافضين للتعاون مع آلة الاحتلال الإسرائيلي.
لقد قدم مخرج الفيلم حياة أبيه وأحباطاته، وحزنه الدائم، وأخذنا في جولة محزنة بين البيوت الخالية من أهلها، الذين هجروها تحت تهديد الموت والآسر، ونقل لنا هواجس عمدة الناصرة وهو يوقع وثيقة الاستسلام، وقدم خلال ذلك خلطة غنية من قصص حب انتهت نهايات مأساوية، ورضخ أصحابها للأمر الواقع، وتابع كما يتابع عالم الحشرات في الحقل تحولات الدودة من بيضة، إلى حشرة كاملة، مرورا بالحشرة داخل الشرنقة، وهو وقت تصوير ذلك القسم من الفيلم وجزئه الواقعي، قبل أن يتحول في قسمه الثاني إلى التسجيل الفناتاستيكي، لسيرة ابن فؤاد بعد موت الأب بشكل رومانتيكي، أمام أحدى صيدليات الناصرة، والفيلم في قسمه الأول يعطينا بدايات تحول"عرب إسرائيل" إلى مواطنين إسرائيليين حقيقيين، ينشد أطفالهم الأناشيد الإسرائيلية.
كما قدم لنا في مشاهد طريفة بداياته الشخصية، كطالب صغير ومدير المدرسة، التي يدرس فيها وهو يمنعه من تكرار قوله باستمرار أن "أميركا دولة امبريالية"، ويتابعه بعد ذلك في فترة ما بعد الطفولة، وبدايات المراهقة، حيث تظهر تصرفاته وحركاته العنيفة، وكلها مفعمة بالرفض والتمرد الدائم ضد واقعه، وحياته التي رسمها له المحتل الإسرائيلي، ثم تنقل لنا الكاميرا بداية علاقة الفتى بالسينما" ويتم ذلك من خلال لقطة من فيلم "سبارتاكوس" وهو يقود ثورة العبيد ضد روما، والفيلم من أخراج لأسيل كوبرك، وذلك حين يعرض الفيلم في المدرسة ويحمله المخرج كل المرموزات لوضع بطله.
القسم الثاني
طوال القسم الأول من الفلم بدت اللغة السينمائية للفيلم، لغة سرد عادية لقصة تقليدية، تحكي عن سيرة ذاتية لعائلته، ولفلسطين يتناولهما المخرج بروح كوميدية، وسخرية مرة، وربما المقطع الخاص بخبر وفاة جمال عبد الناصر، اتسم بجدية وحيادية في إعلان مشاعر البطل، ولكن في القسم الثاني من الفيلم مع ظهور إيليا ممثلا في الفيلم، حتى نرى خط الفيلم ولغته تتحولان إلى طرح فنتازي، فيتابع المشاهد الكثير من اللقطات من هذا النوع، وهي تصور ضابط الشرطة الإسرائيلي في سلوكه اليومي الفظ، وألام المريضة والجار المتطفل المزعج، الذي نراه يتدخل في كل صغيرة وكبيرة لجاره ودون أن يرغب احد بتدخلهم، ونرى دبابة اسرائلية تطارد شابا يخرج ليلقي بكيس القمامة في حاوية الزبالة، وماسورة الدبابة الضخمة والطويلة تتابع حركته بكثير من العدوانية لسائق الدبابة، ومدفعيها، وبالرغم من أن الشاب الذي يتصل بهاتفه كان معرضا للقتل بواسطة ماسورة الدبابة، التي تصوب اتجاهه من بعد اقل من أربعة أمتار ثم تتحول فوهة الماسورة في لقطة واسعة إلى وجه المشاهد، ليرى المشاهدون كم هي مرعبة هذه الآلات العسكرية العملاقة، وان الموضوع ليس مزحة، انه أيضا الإنذار بالموت والتدمير، لكل من يقف بوجه هذه العنجهية العسكرية الإسرائيلية المدمرة.
تقنيات الفيلم
لقد شحنت الصورة السينمائية طوال الفلم ببهاء خاص، وتميز الفيلم بنقل الواقع بواقعية سحرية، حيث تميزت اللقطات بغنائية أعطت المشاهد،لذة التعرف على عالم جديد يفيض بروح السخرية، والخلق الفني، وأعطته مبررات المتابعة، ومحاولة كشف الدلالات الرمزية، والأداء الاحترافي المتقن، وبالذات لإيليا سليمان، الذي عبر عن ذاته عبر أدائه المتقن الصامت، الذي نقلنا لنراقب شخصية مسحورة ومدهشة، ولن نستثني من ذلك الإبداع، صالح بكري وليلى معمر، في فيلم تعلو لغته السينمائية، وينضج أسلوبه، ليقدم عملاً سينمائياً متفوقا، بحكي فيه قصة حياته وحياة عائلته، من خلال عرض الأحداث التي عاشها أهل فلسطين منذ العام 1948 حتى يومنا الحالي، وينتهي الفيلم من دون حصوله على أية جائزة، رغم أنه، وبرأي النقاد، من الأفلام المتميزة جداً التي عرضت في المهرجان، وأحدهم علق على الفيلم، بأنه كان من الممكن أن يحصل على جائزة، ولكنه لم ينل أيةً منها لأسباب سياسية!.
نجاح الفيلم
فيلم المخرج الفلسطيني إيليا سليمان "الزمن المتبقي، سيرة الحاضر الغائب" كان الفيلم بحق مفاجأة المهرجان، واتفق الكثيرون من النقاد والمهتمين بالسينما على اعتباره "تحفة" سينمائية، وعملاً رائعا من روائع الفن السينمائي، العربي، وأنه قد تجاوز بصدق ما حققه إيليا سليمان من نجاح في فيلمه السابق، "أعمال إيليا سليمان منذ يوميات الاختفاء" عام 1996، ثم بعده، "يد إلهية"، الذي فاز عنه بجائزة لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي الدولي عام 2002، وهو في فلمه "الزمن المتبقي" قد بلغ عمقا معرفيا، وتحليليا لشخصيات عرب 48 من الفلسطينيين الذين تحولوا ببطء إلى مواطنين إسرائيليين من الدرجة الثالثة أو الرابعة، لم يصلها فيلم قبله.
***********************
المقالات الأصلية
عندما ينجح المخرج العربي فيما فشل فيه السياسي العربي
أحمد فايق
موقع مغرس الإلكتروني ـ العدد 832 الاثنين 25 مايو 2009

بنفس القدر الذي خذلتنا فيه الأفلام المصرية في سوق مهرجان كان، فاجأتنا السينما الفلسطينية بفيلم مدهش، يدعو إلى التفكير والتأمل فيما وراء الصورة، حيث يتعرض للقضية الفلسطينية ويخدمها أكثر مما يفعل الساسة: إنه فيلم «الزمن الباقي « للمخرج إيليا سليمان المعروض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، والذي يقدم لنا «بورتريه» ساخرا ومؤلما عن القضية الفلسطينية.
ينتمي الفيلم إلى نوعية أفلام السيرة الذاتية، ويحمل الكثير من الفانتازيا بداخله، وهو أسلوب إيليا سليمان الذي تعودنا عليه من قبل. في هذا العمل يكرم المخرج والده فؤاد سليمان ووالدته أيضا. الوالد كان مقاوما وله تاريخ حافل مع الاحتلال الإسرائيلي، وبكثير من السخرية تبدأ أحداث الفيلم، من خلال جندي عراقي تبدو عليه علامات الجدية قادما لتحرير الأراضي العربية في فلسطين، ويلتقي مجموعة من الشباب في المقهى، يسخرون منه بشكل مؤلم، مؤكدين له أن الحرب انتهت بهزيمة ساحقة للعرب عام 1948، هي الهزيمة التي جعلت جريدة «كل العرب « توزع مجانا داخل أزقة مدينة الناصرة، وفي المقابل انتهت نسخ جريدة «الوطن» لأنه لم يعد هناك وطن. نرى هنا آلات عسكرية إسرائيلية تقتحم شوارع الناصرة بعنف شديد، وأسرا فلسطينية تفضل الهروب، وأخرى تقرر البقاء للمقاومة، ومن بينها أسرة فؤاد سليمان الذي يضحي بحبه لثريا من أجل الوطن. ثريا تهاجر إلى الأردن، وفؤاد يقاوم ويبقى، حتى منزله الذي عاد إليه وجد أمامه الجنود الإسرائيليين يفرغون ما فيه من تراث وثقافة، حتى «الجرامفون» الذي يمتعنا بصوت ليلى مراد، وتلك الصورة التي ترى فيها رب العائلة شامخا. ويتحول فؤاد من مالك للأرض إلى متطفل يعيش على هامش هذه المدينة، يعاني من لعنة الجار اليهودي الذي يفرض نفسه عليه دون رغبته.
طوال النصف الأول من الفيلم بدت لغة الحكي عادية لفيلم تقليدي يحمل صورة مبهرة تتناول سيرة ذاتية لعائلة ولوطن بشكل ساخر. المشهد الوحيد الذي خلا من هذه السخرية هو مشهد إعلان وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث جلس فؤاد مكتئبا حزينا يسمع الخبر مثله مثل كل العرب؛ لكن مع أول ظهور لشخص إيليا سليمان ممثلا في الفيلم، تحول الخط الدرامي إلى شكل أقرب إلى الفنتازيا: الأم المريضة وضابط الشرطة الإسرائيلي أو الجار الذي يقحم نفسه في المنزل دون رغبة مالكيه، حيث يقوم بتنظيف المنزل تعويضا عن غياب الأم، وهو جار ثقيل الظل مثله مثل الجارة التي ترسل لهم الطعام يوميا ليلقوه في صندوق القمامة؛ وفي مشهد رائع نرى دبابة إسرائيلية تطارد بدانتها شابا يخرج من منزله متحدثا في الهاتف. الفارق بين دانة الدبابة وبين الشاب لا يتجاوز الثلاثة أمتار، إلا أن قائدها يسير مع الشاب أعلى وأسفل الرصيف بهذه الدانة، وفي المقابل لا يعير الشاب انتباها لهذا التهديد بالقتل، لقد تعود عليه ولم يعد يخشى شيئا. الغريب أن الدبابة نفسها تبدو مرتعشة أمامه، وهي قمة السخرية من نظرية الأمن الإسرائيلي. وفي نهاية المشهد تتحول دانة الدبابة الى وجه المشاهد ليرى كم هي مرعبة هذه الآلة العسكرية الغبية، وكيف أن الموضوع ليس مجرد ضحكة عابرة على مشهد سينمائي جيد الحبك.
في مشهد آخر، أكثر روعة، نرى الشاب يمارس رياضة القفز بالزانة، ليس في الأوليمبيات الشهيرة أو داخل إحدى البطولات، لكنه بشكل فانتازي يقفز من فوق الجدار العازل، جدار الفصل العنصري، كأن إيليا سليمان يبحث عن هويته وراء هذا الجدار. صحيح أنه من عرب 48 ويحمل جنسية إسرائيلية رغما عنه، إلا أنه يعلم أن حدوده تمتد لما وراء هذا الجدار القمعي، حتى الأحجام التي اختارها في الكادر كانت ساخرة طريفة تبعث على الضحك والبكاء في نفس الوقت، أحجام توضح فرق القامة بين هؤلاء المتطفلين والمواطنين في نفس الوقت، تكشف الخداع الإسرائيلي حول فكرة العيش في سلام مع المحتل.
في نهاية فيلم «الزمن الباقي» يصل بنا المخرج إلى أنه لا تسامح طالما هناك احتلال وعنصرية، وذلك رغم أنه أظهر تسامحا في بعض المشاهد، ولكن تظل دائما القاعدة هي القاعدة مهما كثرت الاستثناءات والعكس صحيح، والقاعدة هنا أننا أمام أرض مغتصبة، ومواطنين يحملون هوية غريبة رغما عنهم، مثل الجسد الغريب الذي يخترقك ويؤلمك وأنت لا تقوى على لفظه من داخلك.
في الفيلم يكرم المخرج والده ووالدته اللذين فضلا البقاء والمقاومة داخل الأراضي المحتلة، ولم يستسلما؛ كما يوضح وجهة نظر عرب 48 التي تواجه الكثير من الاتهامات بالعمالة، وكأن المخرج يرد بهذا الفيلم على الاتهامات الظالمة لفيلمه بأنه إسرائيلي، رغم أنه يؤكد على أنه عمل فلسطيني (مكتوب في مطبوعات المهرجان أنه فيلم فلسطيني- فرنسي مشترك)، يحمل بصمة فلسطينية لا تخفى.
من الناحية الفنية يتضمن الفيلم مزيجا مدهشا بين الحكي الدرامي العادي والفانتازيا والواقعية السحرية، ومجمله سخرية من الاحتلال الإسرائيلي والضعف العربي أمامه. السرد في النصف الأول منه ناعم، إلى أن حدثت نقلة في الدراما غير مبررة في النصف الثاني، النقلة كانت عنيفة لا تعطيك إحساسا بمرور الفيلم كاملا بنفس النعومة الأولى، لكن تغطي عليها ألعاب سينمائية شديدة الامتاع في إطار من الفانتازيا والواقعية السحرية، وكأننا أمام فيلمين مختلفين عن بعضهما البعض.
أما جرأة الحكي والمكاشفة فيما يختص بالسيرة الذاتية فلم تكن بقوة جرأة يوسف شاهين في رباعيته «إسكندريه ليه « و»إسكندرية كمان وكمان « و»حدوتة مصرية « و»إسكندرية نيويورك «، ولا بمصارحة فلليني في «الثامنة والنصف» أو «أماركورد»، مثلا.
لقد أراد إيليا سليمان في هذا الفيلم الخروج من الخاص الى العام، لكنه لم يتعمق أكثر في الخاص، ربما لأن الناصرة موطنه هي مدينة صغيرة ثقافتها أقرب إلى ثقافة الفلاحين؛ وفي المقابل ساهم المجتمع «الكوزمو بوليتاني»(المفتوح) الذي نشا فيه شاهين (الإسكندرية) في ظهور هذه القدرة لديه على محاكمة نفسه وأمه ووالده دون أية خطوط حمراء، وإن كانت ذاتية شاهين هنا وصلت إلى قمة الغرور والثقة بالذات.
لكن هذا، في النهاية، لا يمثل سلبيات داخل «الزمن الباقي «، حيث نبقى أمام فيلم جميل فلسطيني الإخراج والهوية أيضا، يستطيع أن ينجح فيما فشل فيه الساسة العرب بأن يجعل قاعة بها ما لايقل عن ألفي شخص من معظم دول العالم يصفقون للفيلم، ومعه القضية الفلسطينية .
***********
حكاية الحضور الغائب في عيني الابن الفلسطيني اللامرئي
الخميس, 04 يونيو 2009
ابراهيم العريس الحياة
يتألف فيلم ايليا سليمان الجديد، الذي عرض في المسابقة الرسمية لدورة هذا العام من مهرجان «كان» السينمائي، من مقدمة وقسمين. عنوان الفيلم، كما بات معروفاً، «الزمن الباقي»، لكنّ له استكمالاً ينساه كثر هو «سيرة الحاضر الغائب». في المقدمة القصيرة للفيلم والتي لن تبدو علاقتها به إلا لاحقاً، هذا إذا تذكرها أحد أمام زخم قسمي الفيلم وكثافة صوره و «مواضيعه»، نرى شخصاً يفتح صندوق سيارة ويضع حقيبة سفر ثم يغلق الصندوق. نرى المشهد من داخل السيارة، ثم ننتقل الى السائق الذي يتخذ مكانه وهو يثرثر كمن يكلم نفسه. انه يكلم نفسه بالأحرى… بالعبرية… نفهم انه سائق السيارة وأن العاصفة الرعدية والشتائية التي تغمره وسيارته استثنائية. نفهم حين يتكلم عبر هاتفه الخليوي انه لا يعرف طريقه. شبه ضائع. هو ليس من هذا المكان. يثرثر، يشكو، يغضب. في أثناء ذلك نلمح في المقعد الخلفي للسيارة وجهاً جامداً، يلمع شيء من الضوء في نظارة طبية تغطي عينيه. بالكاد ندرك ان ثمة شخصاً جالساً هناك حقاً. فهو لا يتفوه بكلمة. لا يجيب كما لو أن كل ما يقوله السائق لا يعنيه. منطقياً هو صاحب حقيبة السفر والسائق سائق سيارة أجرة. منطقياً السائق يتحدث اليه. لكن ثمة ما يقول لنا انه بالكاد له وجود بالنسبة الى السائق. مرة واحدة، وسط عشرات الجمل والعبارات يبدو السائق وكأنه يتحدث اليه. لكن هذا غير مؤكد. أما نحن المتفرجين، فإن في امكاننا أن ندرك إن أمعنا النظر وكنا من متفرجي سينما ايليا سليمان المعتادين، ان الجالس في المؤخرة لا يبدو منه سوى وجهه… تلميحاً، هو ايليا سليمان نفسه. محدقاً كعادته، صامتاً كعادته، مالكاً زمام فيلمه كعادته، سلبياً كعادته أمام اعلان السائق انه ليس من هذا المكان ولا يعرف الطريق. تُرى، أولسنا أمام اليهودي «التائه» والفلسطيني «اللامرئي»؟
ليس صدفة أن يستهل ايليا سليمان فيلمه الجديد، بهذا التمهيد، الذي سيحمل مضمون الفيلم كله بعد ذلك، وربما سيبرر عنوانه الثانوي «سيرة الحاضر الغائب». ومع هذا فإننا، والى حد ما، لسنا في هذا الفيلم أمام ما يمكننا اعتباره سيرة ايليا سليمان. بالأحرى نحن أمام سيرة أبيه فؤاد سليمان، وربما أيضاً سيرة فلسطين من خلال سيرة فؤاد سليمان. ونحن كنا شاهدنا هذا الأخير في الفيلمين السابقين لإيليا سليمان: «سجل اختفاء» و «يد إلهية». لكننا في الفيلمين رأيناه من خلال ابنه وقد أصبح رجلاً وعاد الى فلسطين، في الفيلم الأول كي يحقق فيلماً لن يحققه أبداً - بل ربما كان «الزمن الباقي» نفسه -، وفي الثاني، عاد ليشهد نهاية أبيه وما آلت اليه فلسطين. وفي طريقنا آنذاك كنا أيضاً شاهدنا أمه، لكن الأساس كان الزمن الراهن (زمن تصوير الفيلمين)، والوالدين في آخر حياتهما.
يوميات أب
هذه المرة تتبدل الأمور. وإذا كان ايليا سليمان قسّم «الزمن الباقي» قسمين، فإنما كي يعيدنا، مرة، الى ما قبل «سجل اختفاء» و «يد إلهية»، ثم مرة أخرى الى ما بعدهما. ذلك أن الأب الذي رأيناه نائماً وزوجته على كنبة الصالون في اللقطة الأخيرة من «سجل اختفاء» أمام شاشة اسرائيلية تبث نشيداً وطنياً لا يبالي به أحد، والذي شاهدناه مريراً غاضباً يشتم الكل ويدخل المستشفى في «يد إلهية»، هو انسان له تاريخ. واحد من سكان الناصرة الذين بالكاد رضوا أن يلقوا السلاح حين خسر العرب فلسطين عام 1948. وهذا التاريخ عثر عليه ابنه ايليا في يوميات كتبها الأب. وعلى هذا النحو، عاد ايليا سليمان ستين عاماً أو نحو ذلك الى الوراء ليستحضر تاريخ تلك الخسارة، وانطلاقاً منها، ما تبقى من سيرة الأب، وبالتالي سيرة العائلة… وأيضاً، طبعاً، سيرة ايليا الصغير، الطفل الذي كان في أساس ايليا، الكبير، الذي صار المخرج الذي سيعود في القسم الثاني من الفيلم ليشهد موت أمه هذه المرة.
هكذا إذاً، اختتم سليمان القسم الأول من «الزمن الباقي» بموت أبيه، في مشهد مدهش، أمام باب الصيدلية. بينما اختتم حياة أمه في نهاية القسم الثاني، ونهاية الفيلم بالتالي. وفي الحالين كان هو هناك، شاهداً على الموتين. انما شاهد صامت، شاهد غير مرئي، تماماً كما حاله في سيارة الأجرة أول الفيلم.
وإذا كان سليمان قد قسم فيلمه قسمين، أولهما تاريخي والثاني ينتمي - تقريباً - الى الزمن الراهن، فإنه - كذلك - اتبع في لغته السينمائية، أسلوبين يمكن الافتراض ان الموضوع والفارق الزمني بين التاريخين اللذين أراد تصويرهما، هما ما تحكم فيهما. وكانت النتيجة أن كلاً من القسمين بدا للوهلة الأولى وكأنه فيلم في حد ذاته - من هنا لم يكن غريباً أن ينقسم بعض جمهور الفيلم في «كان» بين فريق فضّل ما اعتبره «كلاسيكية القسم الأول السردية»، وفريق آخر فضّل لغة ايليا سليمان المتشظية والتي تقرب من السينما الصامتة، ما برر بالنسبة الى هواة السينما الأكثر تعمقاً الإمعان في الحديث عن مرجعية سينمائية أساسية في الفيلم، في أداء ايليا سليمان على الأقل، نعود الى باستر كيتون وجاك تاتي مجتمعين - في القسم الأول، ولكن من دون أن يبتعد المخرج كثيراً عن أسلوبه الساخر، وتقشفه اللغوي، قدم سيرة لفلسطين ولوالده، قدم حكاية الحرب وتأسيس اسرائيل وتوهان الجيوش العربية واستسلام الأعيان، وهجرة السكان، ورضوخ البعض الآخر للأمر الواقع. قدم المجازر الصهيونية، والقمع اليومي وتهويد الدراسة، والمتعاونين والرافضين التعاون. قدم الأحلام الخائبة، وحزن أبيه الدائم والبيوت الخالية من أهل هجروها، والعمدة يوقع وثيقة الاستسلام. وقدم قصص الحب المنتهية، والأمر الواقع وبدايات تحول «عرب اسرائيل» الى مواطنين ينشد أطفالهم الأناشيد الممجدة لدولة اسرائيل… كل هذا قدمه بلغته التراكمية، كما قدم في طريقه بداياته هو الشخصية، كطفل لا يتوقف مدير المدرسة عن تأنيبه لقوله الدائم ان «أميركا امبريالية»، وكمراهق تتجلى آيات الرفض التمردي عنده باكراً، ثم كتلميذ يعيش بداية علاقته مع السينما - من خلال مشهد من «سبارتاكوس» لستانلي كوبريك يعرض في المدرسة ويحمل كل دلالاته -. نحن هنا في هذا القسم، إذاً، أمام سيرة مثلثة: سيرة فلسطين وهي تتحول تدريجاً الى اسرائيل، والفلسطيني وهو يتحول تدريجاً الى عرب 1948، باعتذارية أحياناً (الشرطي)، ومن دون اعتذارية أحياناً أخرى، مع اطلالة على رفض اسرائيل ورفض كل هذا الواقع، وأخيراً سيرة صمت الأب (فؤاد سليمان) المرير غالباً، أو ثرثرة الجار الذي لا يتوقف عن ابتكار الحلول للقضية والقضاء على اسرائيل من ناحية أخرى.
وكما قلنا ينتهي هذا القسم بموت فؤاد سليمان، ليفتح هذا الموت على القسم الثاني، بعد أن يكون ايليا سليمان زرع القسم «التاريخي» بإشارات دالة الى الأحداث الجسام، بما في ذلك موت الرئيس جمال عبدالناصر، وصعود المقاومة، ثم الانتفاضات وشتى أنواع المقاومات الصاخبة أو المكتومة (رائع هنا مشهد الدبابة الإسرائيلية تلاحق بفوهتها، عن بعد مترين أو ثلاثة شاباً فلسطينياً يتكلم في هاتفه الخليوي غير مبال بها)… وهذه الإشارات تبدو لنا هنا عابرة لقسمي الفيلم، انما من دون أن تلعب دوراً أساساً في تحديد مسار «بطله» الذي يعود في القسم الثاني منه ليواكب هذه المرة أيام أمه الأخيرة وموتها.
ايقاع أغنيات الجوار
هذا القسم الثاني من «الزمن الباقي»،، يعيدنا، طبعاً، الى «سجل اختفاء» كما الى «يد إلهية»، ليس في الموضوع فقط، ولكن كذلك في اللغة السينمائية. ويهيمن عليه بقوة وجود ايليا سليمان، في دور إ. س. الحاضر في كل لقطة ومشهد تقريباً، انما صامت كعادته لا يتفوه بكلمة. انه يراقب الأحداث، يتابع حركة التاريخ، يرصد تغيرات أمه وحنينها لأبيه. صمتها. عزلتها. عجزها إلا عن الذكريات. ولئن كان ايليا سليمان في القسم الأول من الفيلم، قد استخدم أغنيات عربية، خصوصاً مصرية ولبنانية، شائعة ومعروفة كوسيلة لتحديد: من ناحية التعلق الأبدي للفلسطينيين بالجوار العربي وثقافته وروحه (على رغم كل ما جرى السعي اليه من «تهويد» الفلسطينيين)، ومن ناحية ثانية، تحديد الإشارات التاريخية وارتباط الغناء بالأحداث المتعاقبة، فإن الغناء صار ينحو في القسم الثاني من الفيلم الى تحديدات أكثر جوّانية وشعورية. ولعل من أروع الأمثلة على هذا المشهد الذي يتأمل فيه إ. س. أمه جالسة على الشرفة تحدق في صورة بين يديها (سيكتشف لاحقاً أنها صورة لأبيه - زوجها - فؤاد، وهو في الجلسة نفسها المطلة على مدينة الناصرة…). انها لا تراه… كما أن أحداً لا يراه على الأرجح يخرج الى الشرفة حاملاً آلة تسجيل، أو راديو، يديره على موسيقى أغنية. يصدح اللحن… فنلاحظ قدم الأم، الصامتة دائماً، السلبية أبداً، تبدأ بالدق على ايقاع تلك الأغنية.
كعادته هنا، لم يستخدم ايليا سليمان الموسيقى والغناء كزينة، أو دالّ ايديولوجي استخدمهما فقط كجزء من حياة شخصياته. وكذلك لا بد من القول هنا، انه كعادته أيضاً استخدم لغة التكرار - التي يتقنها جيداً بين فيلم وآخر، وكذلك داخل الفيلم نفسه - كإشارة الى رتابة الزمن… الزمن الذي لا يبقى منه سوى ذكرياته، وصمته. الصمت الذي هو كما يلوح لنا مرة أخرى في «الزمن الباقي»، الفن الذي يتقنه المخرج ايليا سليمان أكثر من أي فن آخر. فهو، في هذا الصمت وعبره، «يقول» كل ما يريد قوله. كل ما لا بد من قوله. لكنه يقول طفولة السينما أيضاً. ترى أفليس ثمة بين مؤرخي السينما الكبار من كانوا يرون أن السينما الصامتة تعبر أكثر عن الحياة، من السينما الناطقة؟ ونعود هنا الى المشهد الأول - المقدمة - لنتساءل: ترى أفلم يكن صمت إ. س. فيها، أبلغ من ثرثرة سائق السيارة؟
بالصمت، أو من دونه، قدم ايليا سليمان، هذه المرة أيضاً، عملاً سينمائياً كبيراً، قد يرى البعض فيه قسطاً كبيراً من النرجسية وتكراراً (حتى في مشاهد «نقلت» بأكملها من فيلميه السابقين)، ومع هذا لا بد من القول انها «النرجسية» التي تقول حول الواقع الموضوعي - واستطراداً حول التاريخ المغدور - أضعاف أضعاف ما يمكن كل الفصاحة الإيديولوجية وثرثرة الشعارات الوطنية أن تقوله. وفي يقيننا أن ايليا سليمان، أكد هنا من جديد، في فيلم ثالث يستكمل ما سيعرف من الآن وصاعداً بـ «الثلاثية» ان السينما، حين تكون قوية وجميلة ومدهشة، يمكنها أن «تخدم» الخطاب الذي تريد أن تعبر عنه، ألف مرة أكثر مما في امكان القبضات المرفوعة ان تقول. ومن لا يصدق هذا، يمكنه أن يقرأ ما الذي كتب، بشتى لغات العالم عن فلسطين… انطلاقاً من سينما ايليا سليمان…
*****
"الزمن الباقي": مفاجأة الفيلم الفلسطيني في مسابقة كان
هذا المقال نشر أولا في موقع بي بي سي
أمير العمري

استطاع المخرج الفلسطيني إيليا سليمان أن يقدم مرة أخرى، مفاجأة كبرى في مهرجان كان السينمائي بفيلمه الذي عرض أخيرا في مسابقة المهرجان ويحمل عنوان "الزمن الباقي: سيرة الحاضر الغائب".
وقد استقبل الفيلم من جانب النقاد والصحفيين الذين شاهدوه استقبالا حماسيا، واتفق الكثيرون على اعتباره "تحفة" حقيقية وعملا كبيرا من أعمال الفن السينمائي.
الفيلم يروي قصة حياة مخرجه ومؤلفه (إيليا سليمان) الذي سبق أن قدم مفاجأة بفيلمه السابق "يد إلهية" الذي حصل على جائزة خاصة من لجنة التحكيم في مهرجان كان 2002 كما حصل على جائزة اللجنة الدولية للنقاد.
إلا أن "الزمن الباقي" يتجاوز كثيرا ما حققه إيليا سليمان في فيلمه السابق، وفيه يعلو بلغته وأسلوبه ليقدم عملا سينمائيا حداثيا خالصا، يربط من خلاله بين قصة حياته الخاصة وحياة أسرته، وبين الأحداث التي شهدتها بلاده منذ عام 1948 حتى اليوم.
بناء الفيلم
يتكون الفيلم من عدة أجزاء، يتضمن كل منها مجموعة من الصور والمشاهد التي تلخص فترة زمنية معينة في حياة المخرج- المؤلف، يفصل بينها سليمان باستخدام أسلوب الإظلام التدريجي ثم الشاشة الخالية لبرهة، قبل ان يعود للضوء تدريجيا مع ظهور مشهد يدور في فترة زمنية أخرى تالية.
اللغة السينمائية التي يستخدمها تحمل ملامح أسلوب إيليا سليمان سواء في اعتماده على الصورة اعتمادا اساسيا، وعلى السخرية التي تتفجر من الجدلية الكامنة في العلاقة بين الصور واللقطات، أو من خلال التعليقات الموحية والأداء التمثيلي الذي قد يتخذ أحيانا أبعادا "كاريكاتورية".
الطابع الساخر
المشهد الأول في الفيلم يلخص أسلوب إيليا سليمان الساخر، ففيه يظهر جندي عراقي من المشاركين في الحرب في بلدة فلسطينية في الجليل، يتطلع إليه ثلاثة من الشباب الفلسطيني وهو يبحث عن طريقه، بينما تلقي طائرة إسرائيلية منشورات تحث السكان على الاستسلام والقاء السلاح.
الجندي لا يعرف إلى أين يتجه، وكلما ذكر اسم مدينة أو بلدة ما، يقول له الجالسون على المقهى في استرخاء وهدوء: لقد سقطت.
وفي مشهد هائل تطارد طائرة إسرائيلية سيارة بداخلها رجل يرتدي طربوشا، وشاب يلوح بعلم أبيض من خارج النافذة.
الطائرة تحلق فوق السيارة مباشرة، وتتابعها أثناء سيرها بسرعة شديدة في طريق ريفي إلى أن تصل إلى مبنى قديم لعله مبنى بلدية مدينة الناصرة.
وفي إحدى القاعات في الداخل، مجموعتان من الرجال: العسكريون الإسرائيليون على جانب، والعرب المدنيون على الجانب الآخر.
والرجل القادم ذو الطربوش هو رئيس البلدية، والإسرائيليون أعدوا وثيقة الاستسلام، ويطالبون بتوقيعها، ثم يطلبون التقاط صورة تذكارية للجميع معا في "هذه المناسبة التاريخية العظيمة"!
والد إليا، فؤاد سليمان، شاب في تلك الفترة، متزوج من نادية وهناك أيضا شقيقته أولجا، أما شقيقة نادية ثريا فقد لجأت إلىة الأردن.
ولكن فؤاد لا يريد الاستسلام ولا الفرار، ويخفي سلاحا لديه، ويتعرض للاعتقال والتنكيل به، بل والقائه من فوق ربوة عالية بغرض قتله إلا أنه ينجو.
مقاتلون فلسطينيون يفرون أمام الهجمات الإسرائيلية بالمصفحات والمدافع، يخلعون ملابسهم العسكرية ويلقون بها ويفرون.
الإسرائيليون الذين يراقبون المشهد من بعيد، يتقدمون ويستولون على الملابس الفلسطينية بما فيها الحطة التي يخفون بها وجوههم.
امرأة فلسطينية تراهم قادمين تطلق زغاريد النصر. يطلقون عليها الرصاص ويواصلون تقدمهم.
يتمكنون من خداع باقي المقاتلين ويقبضون عليهم، ونراهم وقد تراصوا بجوار أحد الجدران تمهيدا لإطلاق النار عليهم.
الإسرائيليون يصادرون بعض محتويات منزل سليمان بما في ذلك الجرامافون وحتى صورة كبيرة وساعة الحائط.
فؤاد يراقبهم من مكمنه على أنغام أغنية ليلى مراد (أنا قلبي دليلي) التي سيعود إيليا سليمان لاستخدامها أكثر من مرة في فيلمه.
واقع الاحتلال
القسم الأول من الفيلم يعكس الوضع الذي نشأ فيه المخرج: واقع احتلال، تشتت الأسرة، الرسائل المتبادلة بين فرعي الأسرة في عمان والناصرة.
لقطات التنكيل الذي يتعرض له فؤاد سليمان (والد المخرج) حينما يضربه جنديان إسرائيليان بكعوب البنادق بقسوة، يبدو في تفاصيله (مصور من زاوية بعيدة) وكأنه لقطة حديثة من تلك التي نشاهدها كثيرا في نشرات الأخبار اليوم للوضع في الأراضي المحتلة.
وبين حين وآخر، وعبر أجواء الفيلم، يحاول فلسطيني كبير متقدم العمر أن ينتحر بإشعال عود ثقاب، أحيانا بعد أن يصب الكيروسين على جسده، وحينا آخر بعد أن يضع وعاء مملوء بالكيروسين إلى جواره. لكنه يفشل دائما في إشعال عود الثقاب.
فؤاد يراقبه هو وغيره من الجيران في صمت، ثم يقوده من يده بعيدا، والرجل مستسلم له تماما.
إنها صورة بليغة موجزة تلخص العجز عن تحقيق الخلاص حتى ولو بالانتحار! وفي مدرسة ابتدائية بالناصرة حيث نشأ بطلنا، نشهد كيف تنشد التمليذات الفلسطينيات الأناشيد التي تمجد دولة إسرائيل، بالعبرية تارة وبالعربية تارة أخرى. مسؤول إسرائيلي يثني على "كورس" الأطفال ويمنحهم جائزة خاصة.
المدرس في الفصل يتحدث عن قدرة الديمقراطية الاسرائيلية على استيعاب الأقلية العربية.
إيليا يراقب في صمت، حالة الاغتراب تتصاعد. مدير المدرسة يوقفه في الممر ويعنفه بشدة: من قال لك أن أمريكا دولة إمبريالية؟
هذا المشهد بين المدير وإيليا يتكرر عدة مرات في سياق الفيلم، والمقصود منه تصوير تمرد الصبي مبكرا على الأفكار السائدة حوله.شخصية الجار العبثي شخصية أخرى تضيف إلى النسيج اللامنطقي- اللاواقعي، الذي يغرم به إيليا سليمان ويستخدمه في التلاعب بالموضوع، وروايته بحيث يفجر أكبر شحنة من السخرية، ويقدم تعليقا سياسيا بليغا وموجزا بلغة السينما الخالصة، بعيدا عن الخطابة، وبعيدا عن لغة البيانات والبلاغات السياسية التي سادت السينما الفلسطينية طويلا. الجار يخرج بين أونة وأخرى، يخاطب فؤاد أولا، ثم يتكرر ظهوره بعد أن يكبر إيليا، أو لعله يصبح جارا آخر مستنسخا من الشخصية الأولى.
يقول له ذات مرة على سبل المثال: أفضل حل للخلاص من كل من لبنان وإسرائيل هو أن تتورط لبنان في حرب ضد إسرائيل، فتقضي إِسرائيل على لبنان، ثم تتدخل فرنسا لتقضي تماما على إسرائيل.. ما رأيك؟
يتمهل إيليا قليلا قبل أن يجيب: لم أفكر في هذا من قبل!
أو أن يقول الجار إن مشكلة العرب إنهم لا يشربون الكحول فلو كانوا يشربون لأقدموا بكل شجاعة على مواجهة الإسرائيليين!
في السينما
يصور إيليا سليمان أيضا علاقته بالسينما، ويعود إلى الستينيات ومشاهدته فيلم سبارتاكوس في قاعة السنما المدرسية.
وعندما يصل الفيلم إلى المشهد العاطفي الذي يتبادل فيه سبارتاكوس القبلات مع حبيبته، تقف المعلمة أمام الشاشة لتجحب الرؤية وتقول للتلمذات: إنه يابنات أخوها.. هذا أخوها!
ويستخدم إيليا سليمان شريط صوتيا ممتعا ومفعما بالحيوية، يجعله جزءا أساسيا من نسيج الفيلم، يمتليء بالموسيقى والأغاني، خاصة أغاني فيروز وعبد الوهاب، وخطابات الرئيس عبد الناصر من إذاعة القاهرة، ونشرات الأخبار من صوت العرب.
وفي القسم الثاني من فيلمه الذي يركز على الوضع الراهن، يستخدم الأغاني الحديثة الشائعة وموسيقى الديسكو التي نرى عددا من الشباب العربي يرقص عليها بينما تتوقف مصفحة إسرائيلية في الخارج يبرز من نافذتها ضابط إسرائيلي ينذر الشباب عن طريق مكبر صوت بحلول حظر التجول. ويظل يكرر عدة مرات فرض حظر التجول فيما يستمر الشباب في رقصهم على أنغام الموسقى الصاخبة، لا يلتفتون ولا يسمعون!
ويصور كيف تتدهور الحالة الصحية لوالده إلى أن يودع الحياة، ثم كيف يكبر إيليا ويرث وضعا لا يتقدم بل يبقى في مكانه.
هنا في القسم الثاني من الفيلم، يتحول الأسلوب إلى العبث الساخر القريب من مسرح بيكيت، ومن سينما جاك تاتي الفرنسي: الصمت يغلب أكثر على الفيلم، السخرية النابعة من صدام الصور، هي سخرية نابعة أساسا من عبثية ما يجري على أرض الواقع.
الرمز ودلالاته
ولتكثيف رؤيته بعبقرية بصرية نادرة، يصور إيليا سليمان مثلا كيف يخرج شاب فلسطيني من داره لكي يلقي بالقمامة في حاوية خارج المنزل، فتتحرك دبابة إسرائيلية ضخمة وتسدد مدفعها العملاق في اتجاه الشاب.
الشاب يسير نحو الحاوية وتتابعه ماسورة الدبابة. يعود في اتجاه المنزل، والدبابة تستدير لتتابعه. يتوقف ليرد على الهاتف المحمول غير عابيء بالدبابة بل إنه لا يتطلع إليها طوال المشهد الذي ينتهي بدخول الشاب إلى المنزل بلا مبالاة، وماسورة الدبابة تتجه لكي تصوب نحو حاوية القمامة!
وفي مشهد آخر نرى كيف يقرر إيليا سليمان أن يعبر الجدار الفاصل الذي بناه الإسرائيليون في الضفة الغربية باستخدام رافعة الزانة التي تستخدم في الألعاب الرياضية، وينجح في لقطة فريدة في تجاوز الحاجز بالفعل إلى الجهة الأخرى.
بائع الصحف يردد "جريدة الوطن بشيكل وكل العرب ببلاش" في تعليق غير مباشر ينبض بالسخرية.
الشباب الثلاثة على المقهى (يتكرر ظهورهم عبر الفيلم).. أحدهم يطلب شراء "الوطن". البائع يقول له: ما بقى فيه وطن.. ولكن كل العرب ببلاش!
الصبي بائع الخضروات الذي يعرض على الخادمة الفليبينية التي ترعى الآن والدة إيليا لسيمان بعد تقدمها في العمر واصابتها بمرض السكري، أن تشتري كل ما يحمله من الفاصوليا بعشرة شيكلات لأنه لا يملك مالا يتيح له العودة إلى جنين.
الجار الفلسطيني الذي يعمل في الشرطة الإسرائيلية يسأله كيف تمكن من القدوم إلى هنا: هل لديك تصريح؟ سأبلغ السلطات عنك!يكتفي الصبي في النهاية بأن يطلب سيجارة، يشعلها ثم يمضي لحال سبيله!
لعبة الشد والجذب
في المستشفى حيث ينقلون الجرحى في الاشتباكات العنيفة التي جرت خلال تظاهرات بمناسبة الذكرى الرابعة لـ "يوم الأرض، يحدث مشهد يلخص الوضع العبثي.
أحد الجرحى فوق نقالة. المشهد العبقري الذي يعكس الإحساس الخاص بالمكان وزاوية الكاميرا لدى المخرج، مصور بكاميرا ثابتة. نحن نرى المبنى من الخارج.. نرى الطابق الأرضي المصمت، والطابق الأول منه فوق الأرضي نوافذه كلها زجاجية تكشف ما يدور في ممر المستشفى في الداخل.
في الخارج تتوقف مصفحة إسرائيلية يخرج منها عدد من الجنود، يصعدون وراء المسعفين الذين يحملون جسد فلسطيني مصاب.
نحن نشاهد كل ما يحدث كما لو كنا نتفرج على فيلم داخل الفيلم. والمشهد كله مصور في لقطة واحدة.
الجنود الإسرائيليون يسحبون النقالة من الفلسطينيين ويعودون في الاتجاه المعاكس. الفلسطينيون يجرون إلى ناحيتهم ثم يعودون بالنقالة في الاتجاه الآخر.
يتكرر الكر والفر، والشد والجذب عدة مرات، والحركة من اليمين إلى اليسار وبالعكس، إلى أن يشهر الإسرائيليون السلاح. هنا يحسم الأمر وينتهي الموقف الذي يلخص بلاغة اللغة السينمائية وخصوصيتها.
الإيقاع يصبح أكثر سرعة في الجزء الثاني من الفيلم رغم ازدياد مساحات الصمت، ويغلب على الفيلم أسلوب مشابه لأسلوب إيليا سليمان في فيلمه السابق "يد إلهية" على هذا الجزء. فمع امتداد الزمن يزداد الإحساس بالعبث، مع عدم تقدم الموقف رغم تقدم الزمن. وهذا هو سر وجود أسلوبين في الفيلم.
في الجزء الأول: هناك إحساس أقوى بالزمن، بالأحداث، هناك وضع يوحي بالحركة ولو على صعيد الإذاعات والصحف والأمل والحلم. الشباب على المقهى كانوا كأنهم في انتظار شيء. الشاب الذي كان يعبر أمامهم كان يصفر لحنا متفائلا بين حين وآخر.
تساؤل فلسفي
أما بعد ذلك فلم يعد هناك سوى تعاقب الزمن. ماذا تبقى من الزمن إذن قبل أن يصل الإنسان إلى نهاية الطريق!
هذا هو التساؤل الفلسفي الذي يتوقف أمامه إيليا سليمان في فيلمه الذي يمزج فيه بين الخاص والعام، الشخصي والمجتمعي، السياسي والنفسي، الفلسفي والواقعي.
إنه ينهي فيلمه وهو جالس فوق أريكة خشبية في الشارع، يتأمل دون أي انفعال. لقد فقد القدرة حتى على الانفعال مع ما يجري حوله.
الشباب الثلاثة أنفسهم مازالوا يجلسون على المقهى (ربما منذ ستين عاما!). شاب فلسطيني يسير أمامهم يرفع يده بعلامة النصر.
الثلاثة بملابسهم وهيئتهم والسجائر في أيديهم، يبدون كما لو كانوا شخصيات من عالم أفلام "الويسترن"، جامدون على الأريكة التي يجلسون فوقها، لا يتحركون بينما نستمع إلى إيقاعات عنيفة لأغنية عبرية!
هل كنا نشاهد فيلما من أفلام الويسترن منذ أكثر من ستين عاما.. لعل هذا ما يراه إيليا سليمان في فيلمه الذي سيترك تأثيرا كبيرا على كل عشاق السينما بلا شك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سرقات, فيصل عبد الحسن | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























