“إبراهيم العريس” ينسفُ تاريخ الثقافة السينمائية العربية
كتبهاسرقات سينمائية ، في 10 كانون الأول 2010 الساعة: 00:16 ص
صلاح سرميني
إبراهيم العريس
في حوارٍ أجراه "هوفيك حبشيان"(بدون لقبٍ مهنيّ) مع الناقد، المُؤرخ، الباحث، والكاهن السينمائيّ الأسطورة "إبراهيم العريس" يكشفُ فيه علناً عن نفسيةٍ عدائية ضدّ كلّ شيئٍ تقريباً(1).
تترنحُ تصريحاته، وتنسفُ صورته أكثر من رغبته العدوانية بنسف صورة الآخرين، وتجعلنا نتهكم منه أكثر من محاولته التهكم من هذا، أو ذاك، وكنا نتمنّى بأن تُحرره الكتابة عن الفنّ كما "حرر الإنسان"، لا الكلمات/القبضات المرفوعة التي يستنكرُها في ثنايا الحوار.
بتعجرفٍ، يعتقدُ بأنّ كتابه "الصورة المُلتبسة : السينما في لبنان، مبدعوها، وأفلامها" (2)ينسفُ أساطير، ولكنّ أقواله تنسفُ، بالآن ذاته، أسطورته التي يتوّهمها بمفرده، هذا الذي يعتبرُ الهويات قاتلة، وجميعها من صُنع الفاشية، بينما كلماته ليست بعيدة تماماً عنها، وقريبة جداً من الأفكار الطائفية المُعششة في ذهنه، وبعد أن خمدت الحرب في لبنان، ما تزال المعارك مُقيمة في رأسه، ولن يكون أحدَ أبطالها .
يؤكدُ "إبراهيم العريس" بأنه "مثل لينين الذي يعتبر بأن الحقيقة لا وقت لها"، وبدورنا، سوف نتذكرُ يوماً هذه المقولة عندما يردمُ أحدهم (أو أكثر) أساطير الورق التي يكتبُ فيها، وخاصةً تلك الزاوية اليومية "ألف وجهٍ لألف عام" المُرّكبة من جُملٍ صحافية يكادُ بعضها يصطدمُ بالبعض الآخر، تتشابكُ، وتتناحرُ محاولة إخفاء كتابة مُغلفة بالنقل، والترجمة، تلك الزاوية التي لم أقرأها يوماً، وعندما فعلتُ، اكتشفتُ مغارةً تحتوي على كنوزٍ من المعلومات جمعها "شخصٌ واحدٌ" فقط، وترك "الأربعين" يرتزقون بفتات القصّ، واللصق.
يطيحُ "إبراهيم العريس" بعض الأسماء التي حفرت في الوجدان السينمائيّ اللبنانيّ، ولا يتوانى عن الاستهتار بتاريخٍ كاملٍ من الثقافة السينمائية العربية، هذه الأحكام المقصودة، والنابعة من التقوقع على الذات، وتعليق جهله بالآخرين على شماعاتهم، لن تفوز برضاهم، خاصة أولئك الذين يطالهم بقلمه "المُرتخيّ"، ولكنها، لحُسن حظنا، نبهتنا إلى ضرورة دراسة كتاباته من منظورٍ أقلّ تسرّعاً في القراءة، وأكثر تفحصاً، ولؤماً (سيّده في الحياة، والعمل كما يُشير "هوفيك حبشيان" في حواره)، ووضعه في مكانه الحقيقيّ، وإعادة الاعتبار لمن يعتقد بأنهم أبعد عنه بسنواتٍ ضوئية.

هو على الأرجح، يُعاني من عقدة نقصٍ رافقته منذ مولده عام 1946، السنة التي أنجز فيها والده "علي العريس" فيلمه الثاني "كوكب أميرة الصحراء" الذي قاده إلى الإفلاس، وكان يُمازحه دائماً قائلاً بأنه "نذير شؤم" بالنسبة له، تأصلت تلك المزحة الثقيلة في أعماقه، وجعلته غاضباً، حانقاً، يكرهُ، وينفرُ من الجميع، السينمائيين الثورجيين، والنقاد الأوصياء على المُجتمع الذين يُصدرون فتاوى.
يحتاجُ إلى علاجٍ نفسيّ مُعمّقٍ كان عليه التفكير به منذ صباه، لأنه، كما قال له "فرويد" يوماً، يتطلبُ جلساتٍ كثيرة من "الفضفضة" للتخلص من مشاعره، وأفكاره السوداوية، والأسباب التي تجعله يُوزع نعت "التفاهة" يميناً، وشمالاً حتى على محاولات التأسيس للسينما في لبنان.
انفصامٌ حادٌ في شخصية الكاتب، والإنسان، من التقى به يوماً، وتعرّف على طبيعته، وسلوكياته أصيب بصدمةٍ لم تمنعني من قراءة كتاباته مُتناسياً مواقف سخيفة صدرت عنه إثر محاولاتي بالتقرّب منه، ومدّ يدي له انطلاقاً من المهنة (التي كنتُ أعتقد بأنها تجمعنا)، وفي كلّ مرة، لا يرفض اليد الممدودة إليه، ولكن، يعضّها (مجازياً)، وأتصوّر بأنه يتمنى بترها (عملياً).
في كتابه، وهذا من حقه، يريد إعادة الاعتبار لوالده "علي العريس" الذي لم يذكره المُؤرخ السينمائي الفرنسي "جورج سادول" في قاموسه، مع أنه يؤكدُ محدودية القيمة الفنية لأعماله المُنحصرة بجانبها التاريخيّ فقط باعتباره أول لبنانيّ أنجز فيلماً، ويؤكدُ بأنه لا يعتبر الكتاب انتقاماً لوالده، بينما تحوم كلّ أجوبة الحوار حول تلك الفكرة الثأرية، وعلى الرغم من الريادة التي يتمتعُ بها والده (والمُفترض قراءة أعماله وُفق الفترة الزمنية التي أُنجزت فيها)، لا يتورّعُ عن الاعتراف بأنه أعاد الاعتبار إلى آخرين، ومنهم "محمد سلمان"، و"سمير الغصيني"، ووضعَ مسافة شاسعة بينه، وبين أفلامهم (ولا نفهم لماذا لم يستخدم نفس المسافة، أو أقلّ منها، مع أفلام والده ؟)، واعتبارهم أشخاصاً بذلوا جهوداً كبيرة، وكان في بالهم مشروعاً لم يتحقق على الشاشة (ولا نعرف أيضاً لماذا لم يُطبّق هذه المعايير على أفلام والده؟).
الأخطر في الحوار، إشارته إلى السينمائييّن المسيحييّن في الخمسينيّات، والتأكيد على نياتهم السينمائية، القومية، والوطنية، ونفيّها عن والده "علي العريس"، و"محمد سلمان"، وأكثر من ذلك، لم يكن المسلمون، من وجهة نظره، يؤمنون بلبنان كوطن، بل كجزء من أمة عربية إسلامية مُبهمة، …في مقابل هؤلاء، هناك طرفٌ آخرٌ يؤمن بالأمة اللبنانية، فأنجزوا أفلاماً ذات هوية لبنانية خالصة.
تصريحاتٌ مُغرقة في التعميم، تجعل القارئ يعتقدُ بأنّ المسلمين يفتقدون الموهبة، ولا يمتلكون نياتٍ سينمائية، قومية، أو وطنية كحال المسيحييّن.
كما لا يبتعدُ الحديث عن سينمائييّن مسلمين، وآخرين مسيحييّن كثيراً عن تحريضٍ طائفيّ تمّ التعبير عنه بكلماتٍ يتعففُ عن قولها أكثر زعماء الأحزاب اللبنانية تطرّفاً.
عقليةٌ مُنغلقة تفرّقُ بين السينمائييّن من وجهة نظر دينية بحتة، يبدو بأنها مُعششة في دماغه فقط أكثر من الوسط السينمائيّ الذي يكتبُ عنه، والمتفرج الذي لا يخطر على باله أبداً التساؤل عن المُعتقدات الدينية لأيّ مخرج لبنانيّ، عربيّ، أو أجنبيّ.
يقول: " قبل "مارون بغدادي"، وأبناء جيله، لم يُنجَز أي ّفيلم له قيمة سينمائية حقيقية، ويتساءل، لماذا لا تُنجز إلاّ أشياء تافهة في لبنان ؟
ـ هل يتحتمُ على الناقد السينمائيّ نعت البدايات الأولى لأيّ سينما عربية، أو عالمية بالتفاهة، وهل من مهماته المُقدسة أن يرفع من شأن هذا، ويقللّ من شأن آخر على هواه، إلاّ إذا كان ربُّ السينما نفسها ؟
يتباهى "إبراهيم العريس" بوقوفه الدائم مع الأقليات في العالم العربي، ويؤمنُ بأنّ الإبداع العربي قائم على المجموعات الصغيرة، المسيحيين، اليهود، الأرمن، المثليين، الأجانب المُقيمين في هذا المكان، الإبداع ـ كما يقول ـ لا يُنجزه "أولاد الأمة"، هؤلاء يكتفون بالتقليد، لا يُبدعون، كونهم ليس عندهم إحساس بالنقص في المجتمع يجعلهم يعوضون بالكتابة، أو بالفنون، السينما العربية أسستها الأقليات.
وفي إجابةٍ لاحقة، يؤكدُ "في النهاية نحن مبدعون"، إذاً، وهو المُسلم على حدّ علمي، واحدٌ من تلك الأقليات التي تُعاني إحساساً بالنقص، ويمكن أيضاً التعميم اعتباطياً، والإدّعاء بأنّ اليهود يُبدعون انطلاقاً من إحساسهم بالنقص، مع أنّ الميثولوجيا الدينية الخاصّة بهم تعتبرهم "شعب الله المُختار".
هذا الذي يتبجحُ بالوقوف مع المثلييّن، تعبيراً عن انفتاحه الذهنيّ، لم نقرأ له كلمة واحدة عن المثلية الجنسية في السينما العربية، والعالمية، ولكننا، نتمنى بأن لا يستمرّ، ويكتب لاحقاً عن سينما لبنانية إسلامية، مسيحية، أرمنية، سريانية، مارونية، سنية، شيعية،….
أما عن الغزارة في الكتابة التي يستفسرَ عنها "هوفيك حبشيان"، فهي مُتأتية من الترجمات السريعة لحشوّ زاوية يومية، وفيها سوف يعثرُ القارئ اليقظ على أخطاء مُعيبة ليست من مقام "عبقريّ في كلّ شيئ".
وعلى سبيل المثال (والقائمة طويلة) :
العارف جيداً للمخرج "روبيرت فلاهرتي" لا ينسب له فيلماً عن الإسكيمو احترقت أشرطته ساعة تصويرها (بمعنى، لا يوجد الفيلم أصلاً) (3)، ولا يكتب آراء مُتناقضة بين فقرةٍ، وأخرى حول نفس الفيلم(4).
والمُثقف السينمائيّ لا يتجرأ الإشارة إلى فيلم "رجل الكاميرا" لـ "دزيغا فيرتوف" بأنه استثنائيّ(5)، وينسى فيلماً آخر "برلين، سيمفونية مدينة كبيرة" أنجزه الألماني "والتر روتمان" في نفس الفترة تقريباً، ويتقاطع كثيراً مع "رجل الكاميرا"(6).
رُبما تنطلي الترجمة المُتزحلقة على قارئٍ عاديّ، ولكن، لن يهضمها مُحترفٌ ما زال يمتلك الشغف، والطاقة لمُشاهدة الأفلام ليلاً، ونهاراً (أكثر من "إبراهيم العريس" نفسه)، بدون أن يتحوّل يوماً إلى حنفية كتابةٍ تكشفُ كلّ كلمة، جملة، وفقرة فيها عن ترجمةٍ لا تحترم القارئ، ونفترضُ بأن يكون شيخ النقد "العالم بكلّ شيئ"، بالنسبة لصبيانه، نموذجاً يُحتذى في الكتابة النزيهة الخالية من شوائب النقل، ويتوّجب عليه عدم الخجل من الإشارة إلى المُؤلف، والمصدر في كلّ مرةٍ يستعين بنصّ، حتى وإن توجهت إلى زاويةٍ يومية، والكفّ عن مراجعة كتب، وأفلام لم يقرأ أكثر من مُلخصاتها، والإيحاء بأنها من وحيّ خياله، ومعلوماته الموسوعية، رحمةً بالنقاد الجهلاء أمثالنا الذين لم يطالعوا 20 كتاباً في علم الجمال، و30 في علم القبح.

في الحوار المنشور، الله وحده يعلم، و"هوفيك حبشيان" كم من مرةٍ تكرر شفهياً حرف النفيّ "لا"، يتبعه فعل المُضارع "أؤمن"، حيث لا يُؤمن "إبراهيم العريس" بأدب الشعوب، ولا يُؤمن بفنونها، ولا يُؤمن بما يُسمى الرسالة في السينما، ولا يُؤمن بالنضال، ولا يُؤمن بأنّ السينما تُغيّر العالم، ولا يُؤمن بالنقد الأكاديميّ، ولا….. (هذه المرّة) ينصاعُ إلى المُسلّمات، إذ لا توجد حقائق ثابتة في أيّ مجالٍ كان، ومع ذلك، تنطلقُ كلّ مواقفه تجاه الآخرين من مُسلماتٍ، وحقائق ثابتة صنعها في خياله عنهم، ولم يبذل أيّ جهدٍ لمعرفتهم، وحتى يتباهى في السرّ، والعلن بانغلاقه على نفسه، واكتفائه بمجموعةٍ من الأصدقاء.
لا نريد من سيدنا "إبراهيم" أن يكون صديقنا، ولكن، نطلب منه بأن يرحمنا على الأقلّ، ولا يصنع منا أعداء، "هذه هي عظمة انعدام المُسلمات"، وقبل أن يتحدث عن أحدنا، نرجوه بأن يتنازل، ويقرأ له مقالاً واحداً، أو اثنيّن، حتى وإن كان يكرهه كره العمى.
أتوقعُ تصنّعه عدم الاكتراث لو كتب أحدهم يوماً بأنّ مُحاوره الشاب "هوفيك حبشيان"(من الأقلية الأرمينيّة في لبنان) يكتبُ أفضل منه ؟، أو يصف أحدهم كتاباته بالتفاهة، هكذا بدون تفسير، شرح، أو تحليل،..؟
لن يكون سعيداً أبداً، وسوف تنتفخ أوداجه، ويزداد تجهمه، وتتسارع ضربات قلبه، وينفجرُ من الغضب.
هو يعرف بأنّ "فرويد" استعان بالكلمة لتحرير الإنسان من عذاباته النفسية، ويدركُ أيضاً ما يعنيه "البوح" في التحليل النفسيّ.
كلماته التي سمعها المُحاور، وكتبها، تُؤكد بأنّ "إبراهيم العريس" لا يقرأ لأحد، فكيف عرف، ويعرف بأنّ النقاد النصابين يُسدون نصائح، ويعتبرون أنفسهم أوصياء على الآخرين ؟
وفي إجابةٍ أخرى، يؤكدُ بأنه ليس مُعلماً تنويرياً، هو يكتب كي يعبّر عن نفسه فقط، هل يكتب "إبراهيم العريس" لنفسه أم لقارئٍ مُفترض يقرأ بهدف الاستزادة المعرفية، والفكرية ؟.
بديهيّ بأنّ الابن يتعلمُ من والديّه، وإخوته، وأصدقائه، ..ويشكلُ البشر فيما بينهم سلسلةً تعليميةً لا متناهية.
يُضيف "العريس" : لاحظ بأنني أقول "السينما في لبنان"، وليس "السينما اللبنانية"، ليس هناك ما يُسمّى سينما فرنسية، أوسينما أميركية، هناك مبدعون، ليس ثمة ما يُدعى قومية، ووطنية، فهذان من اختراع الفاشية،..
إذاً نحن، المُتشبثون بقوميتنا شعوبٌ فاشية، وهويتنا فاشية، قاتلة للآخر، وتبثّ الكراهية…
عندما يقول الفرنسيّ "ببراءةٍ" بأنه فرنسيّ، فهو فاشيّ، وعندما يتذكرُ "البريتاني" منطقته، ولغته، فهو فاشيّ، وعندما يؤكدُ مُحاوره بأنه أرمنيّ، فهو فاشيّ بدوره، وإذا توالت الأمثلة، سوف يتحوّل البشر جميعهم إلى فاشييّن ….(ماعداه).
من حقّ "إبراهيم العريس" أن يكون بلا هوية، ولا قومية، ولا نضال، ولا رسالة، ولكن، ليس من حقه أبداً أن يشتم الآخرين إذا لم يتوافقوا معه في التفكير.
وفي الوقت الذي يتباهى بأنه أعاد الاعتبار إلى "محمد سلمان"، و"سمير الغصيني"، وغيرهما،.. يصفُ "مصطفى العقاد" بأنه ليس مخرجاً، لا علاقة له بالسينما، ولم يفعل إلا العمل في السينما، ولم يكن حتى منتجاً ناجحاً.
بقليلٍ من الأدب، واللياقة، كان عليه القول بأنّه مخرجٌ سيئ، أفلامه رديئة لا تُعجبه، ولكن، أن ينزع عنه صفة المخرج، والمُنتج، فهي من علامات الساعة، ساعة "إبراهيم العريس" التي توقفت عند آخر مقالٍ كتبه "نور الدين صايل" بالعربية (وهو لم يكتب بالعربية أصلاً)، وفي هذه المُناسبة، أنصحُ "العريس" بأن يُنجز قاموساً يحددُ فيه من هو المخرج، ومن هو المُدعيّ الذي لا علاقة له بالإخراج، وبدوري، سوف أنجزُ يوماً قاموساً عن نقاد السينما أقولُ فيه بالحرف الواحد :
"إبراهيم العريس" ليس ناقداً سينمائياً، كان يكتبُ في الصحافة عن السينما، وهو ليس كاتباً، كان يعرف أوليّات الكتابة فقط.
يهمّ "إبراهيم العريس" خلق تناحرٍ بين الابن، والديكتاتور الصغير في البيت المُتمثل بالأبّ، وبين الأبّ، وربّ عمله، ثمّ، ثمّ، وثمّ،..ولا أفهم لماذا يمنحُ الأبّ هذا النعت، وهو أبٌّ بدوره، هل يشعر بأنه ديكتاتور فعلاً، أم يستخدم صورةً نمطيةً لا تتوافق مع أفكارٍ أتحفنا بها في أجوبته عن المُسلمات، والثوابت، ولماذا يفترضُ تناحراً بين الأبّ، وربّ العمل، وبين هذا، وذاك، هل يريدها حرباً أهلية شاملة ؟.
يؤكدُ "العريس" لمُحاوره بأنه لا يقرأ لنقادٍ عرب، مُبرراً "عندما يصبح لدينا نقاد عرب، سيبدأ بمطالعة ما يكتبون"، والطريف بأنه يقرأ فقط لبعض أصدقائه مثل "نور الدين الصايل"(يُوضحُ المُحاور في لفتةٍ ذكية، وخبيثة، بأنه توقف عن الكتابة منذ سنوات)، وأضيف، بأنه توقف عن الكتابة بالفرنسية منذ الثمانينيّات تقريباً بعد أن تسلم مناصب إدارية مُتعاقبة.
مشكلة "العريس" بأن "النقد السينمائي دخل بزنس السينما، والبعض باتوا موظفين لدى المهرجانات، ما أن يتأسَّس مهرجان في الخليج، حتى تسارع إدارته إلى توظيف نقاد، تحوّل النقد ترويجاً، لذا، لا يقرأ! قل لي أين يكتب الناقد، أقول لك ماذا يكتب".
ما علاقة عمل الناقد في مهرجانٍ ما بكتاباته، وإذا تعففّ عن أداء هذه "المهمّة الدنيئة"، فمن يعمل فيها، أليس الناقد السينمائيّ أحقّ من غيره في تنظيم، وبرمجة المهرجانات، كيف يكون حالها لو أشرف عليها، وأدارها بائعو المازوت، وماذا يفعل "نور الدين صايل" في المغرب، و"محمد الأحمد" في سوريا، و"علي أبو شادي"، و"يوسف شريف رزق الله" في مصر،… أليسوا نقاداً، هل تنحصر وظيفة الناقد بمُشاهدة فيلم، والكتابة عنه فقط، أم المُساهمة بأيّ وسيلةٍ في تطوير، وتنشيط الثقافة السينمائية، وإذا كان "إبراهيم العريس" محظوظاًُ، ويعمل منذ 40 عاماً موظفاً في صحيفة يومية، فماذا يفعل النقاد الآخرون، هل يتوّجب عليهم الوقوف على الأرصفة بسراويل قصيرة كي يكسبوا لقمة عيشهم، هل الناقد الذي يعمل لمهرجانٍ ما يتخلى عن عمله النقديّ، ويتفرغ للكتابة عن هذا المهرجان، وهل الترويج الاحترافيّ الصادق، والنزيه لمهرجانٍ ما، أياً كان، عيباً ؟ ألا تفعل المهرجانات الكبرى نفس الشيئ، ويصبُ هذا الأمر في مصلحة السينما نفسها، وهل تأسّست المهرجانات من أجل أقلام النقاد فقط، أم بهدف الترويج للمدينة، والبلد، والتنشيط السياحيّ، والاقتصاديّ، والثقافيّ، وتسليط الأضواء على السينما المحلية.
إذا كانت هذه فكرة "العريس" عن المهرجانات الخليجية، لماذا لم يرفض الدعوة التي وجهها له مهرجان أبو ظبي في دورته الثانية لإدارة ندواتها، هل وافقَ للتعبير، والترويح عن نفسه، أم رغبةً باحتضان دراهم الخليجييّن التي قبضها فوراً بعد أن افتعل مشكلةً يعرفها كلّ من تابع تلك الدورة.

يختلقُ "إبراهيم العريس" مشكلة مع النقاد في بلداننا "لأنهم يركزون فقط على السينما، ولا يعرفون ماذا يوجد في الفنون الأخرى، ويجهلون ما يدور في العالم، إذا كانت السينما جامعة الفنون، فالنقد جامع الكتابات، لا تستطيع أن تكتب نقداً إذا لم تقرأ "فرويد"، وعلى الأقل 20 كتاباً في علم الجمال، لا تستطيع أن تكتب نقداً إذا لم تكن قد شاهدت بضعة آلاف فيلم".
الله وحده يعرف ماذا يفعلُ كلّ واحدٍ من النقاد في حياتهم اليومية، يقرأ، أو لا يقرأ، يشاهد أفلاماً، أو لا يشاهد، وحول هذه النقطة بالتحديد، نُذكره بإجابةٍ سابقة بأنه لا يقرأ لأحد، وفي هذه الحالة، يحقُ لنا التأكيد على جهله بما يحدث حوله، إلا إذا كان يعتبر نفسه الثقافة السينمائية العربية نفسها.
وهنا، أجدها فرصةً للردّ على "إبراهيم العريس" بنفس المنطق الجارح الذي استخدمه في أجوبته، وأقول، إذا لم يشاهد ألف فيلم تسجيليّ، وقصير خلال فترة 3 شهور تقريباً، بالإضافة إلى فيلم واحد يومياً يُعرض في الصالات التجارية الأوروبية، فهو يستحقُ التهكم أكثر بكثيرٍ من الأشخاص الذين يفترضُ بأنهم لم يشاهدوا بضعة آلاف فيلم.
"كنا نلتقي بعض هؤلاء في كانّ، وعند خروجنا من فيلم نرمي أمامهم مع نور الدين الصايل معلومات خاطئة، كالقول مثلاً أن هناك في الفيلم نزعة بريختية، فنرى المعلومة منشورة في صحيفتهم في الصباح التالي".
لقد تحوّلت "روحه المرحة" إلى لعبةٍ صبيانية ليست من مقامه، وصلت إلى حدّ التهكم على زملاء مهنة من المُؤكد بأنهم لا ينفقون مُدخراتهم للسفر إلى مهرجان كان بانتظار كلمةٍ يتفوّه بها الكاهن الأعظم.
ومن هذا الصحفيّ، أو الناقد الغبيّ الذي يتجرأ على الاقتراب من القلعة التي بناها "إبراهيم العريس" حول نفسه، وأصدقائه المُقرّبين الذين هجروا النقد(وحتى المُشاهدة رُبما)، ويسمحُ لنفسه سماع رأيه في فيلم ما، وعلى حدّ معرفتي (وأنا لستُ المعنيّ بهذه التهمة، لأنني لا أتابع مهرجان كان باستمرار) كلّ الذين يتابعون هذا المهرجان لا يحتاجون لرأيه، صحيحٌ بأننا لسنا عباقرة مثله، ولكننا نتابع كتابات هؤلاء، ولا نشعر أبداً بأنها مُستقاة من طرفةٍ لا أخلاقية، ولا إنسانية، وبما أنه لا يقرأ لأحد، كيف عرف بأن هذا الصحفيّ المُفترض كتب تلك المعلومة الخاطئة في صحيفته، إلا إذا كان يُوظف جواسيس ينقلون له تقارير سينمائية عما يكتب هذا، أو ذاك.
لا يهتمّ "إبراهيم العريس" بسرقات الطفيلييّن، والطارئين، فرُبما ـ كما يقول ـ أفضل مما لو كتبوا، ورُبما يقدمون جملتيّن مفيدتين، أما إذا كتبوا، ففي انتظارك الكوارث.
كيف يتوقع هذه الاحتمال القياميّ إذا لم يقرأ لأيّ واحدٍ منهم (ماعدا الأربعة المُصطفين الذين نحترمهم أشدّ الاحترام احترافياً، وشخصياً).
وانطلاقاً من معرفتي بكتابات "إبراهيم العريس"، أؤكدُ هنا بأنه لا يعرف عن السينما التجريبيّة، ولم يشاهد في حياته أكثر من فيلم، ونصفٍ بالصدفة، وعندما يقول عن كتيّبين(7)، أخطأتُ يوماً بتقديمهما له، بأنهما تافهان، ولم يقرأهما بعد، فإنّ هذا الوصف التحقيريّ ينطبقُ عليه تماماً، لأنه لو تصفحهما على الأقلّ، لعرف بأنّ معظم المادة المنشورة فيهما مترجمة عن نصوصٍ لأهمّ العاملين في المشهد السينمائيّ التجريبيّ الفرنسيّ، و"إبراهيم العريس"، في هذا الجانب بالذات، لا يستطيع الصمود أمام أيّ واحدٍ منهم أكثر من خمس دقائق.

وفي دفاعٍ مُسبق عن "زاويته اليومية"، يُؤكد لمُحاوره بأنّ "السرقات الأدبية في العالم اليوم موضوع جامعيّ ضخم جداً يسمّونه "مُثاقفة" في اللغة العربية"، ..
ما رأيّ "إبراهيم العريس" لو سرق أحدهم مقالاته كاملة، ونشرها في أماكن كثيرة، هل يعتبر هذا الفعل الجامعيّ "مثاقفة" أم "عُهراً ثقافياً" ؟.
كان عليه الهبوط من صومعته لبعض الساعات كي يتعرّف على القليل من التخريب الذي يحدث في الثقافة السينمائية العربية، وهو بجهلٍ، أو درايةٍ، يُساهم في تشريعه، ويمنحُ الضوء الأخضر للسارقين للاختباء خلف مفهوم "المُثاقفة" الذي يبتعدُ آلاف السنوات الضوئية عن السرقة، والقصّ، واللصق.
وبعد كلّ تلك الأجوبة، لن أستغرب منه اتهام الآخرين بأنهم لا يشاهدوا فيلماً، أو لا يقرأوا كتاباً إلا إذا كان يعيش مع الجميع في آنٍ واحد، أو تهيم روحه السينمائية في كلّ مكان، ولكنني أعرف، على الأقل، واحداً من هؤلاء "الجهلة" يشاهد في سنةٍ ما يشاهده "إبراهيم العريس" في عشر سنوات.
صحيحٌ بأننا لا نكتب عن أرنست فايكرت، فولفغانغ غوته، بيارو ديلا فرانشسكا، جون آردن، بيتهوفن، سارة برنار، مالرو، سارتر، وفرويد،.. لأننا اخترنا الكتابة عن السينما فقط (وهذا لا يمنعنا من قراءة ما نريد من الكتب)، وهو يعرف بأنّ نقاد السينما في الغرب (الذين ينهلُ منهم كثيراً) يتوجهون في كتاباتهم إلى أبعد من هذا التخصص، فتجد واحداً منهم يهتمُ بسينما الخيال العلميّ، وآخرٌ بسينما بلد معين، أو قارة، وثالثٌ بالسينما التجريبية، ..
ولكن، على الرغم من جهلنا، ندركُ بأنّ القدرة البشرية لا تستطيع قراءة كتاباً في اليوم الواحد يتكوّن من 300 صفحة بلغةٍ عربية، أو أجنبية، وفي اليوم التالي كتاباً من 250 صفحة، وفي اليوم الثالث كتاباً من 400 صفحة، بالإضافة لمُشاهدة الأفلام، وسماع الموسيقى، وزيارة المتاحف،..
نحنُ، بالتأكيد، لا ندّعي امتلاكنا لهذه القدرات الخارقة، لأننا لا نحررُ "زاويةً يومية" في صحيفة كبرى، ولا نضطر للنبش، والبحث في كتاباتٍ أخرى لفبركة مادة في اليوم، أو أكثر.
قبل أن يتقاعد "إبراهيم العريس" من "الحياة"، أقترحُ عليه، بأن يجد الوقت الكافي لمُراجعة أفكاره المُلتبسة عن كلّ شيئ، خاصةً هذه الكراهية المجانية التي يتفننُ في صنعها، وترويجها، فقط، كي يُواجه ربه مبتهجاً، ولا يتحوّل وجهه إلى أرضٍ أصابها زلزالٌ مدمرّ، لقد طعنَ في السنّ قليلاً، ولكنه طعنَ معظم الذين منحوه تقديرهم، واحترامهم بكلماتٍ أكثر حدةً من السكاكين، تستندُ على جهلٍ مُتعمّد، وتجهيلٍ لما يحدث في الثقافة السينمائية العربية.
في يومٍ أغبر، داخل إحدى عربات القطار العائد من "كان" إلى "باريس"، فُوجئتُ بأنّ مقعدي يُجاور مقعده، وكانت المرة الوحيدة التي ارتضى مُرغماً التحدث معي لبعض الدقائق.
ومن المُؤسف بأنني لا أمتلك أيّ دليل، أو تسجيل صوتيّ من تلك المُحادثة التاريخية التي ذكر لي خلالها بأنه "يعيش في الماضي"، بينما يؤكدُ في الحوار بأنه "ابن الحاضر".
هو حرٌ يعيش في الزمن الذي يرتاحُ فيه، ولكن، كان من المُعيب حقاً أن يتحدث باستهجانٍ عن زملاء يسمحُ لهم بالكتابة في الصفحة السينمائية الأسبوعية التي يُشرف عليها:
ـ أدعُ فلان يكتب لأنه حمار، وأنشرُ للآخر لأنه لا يفهم في السينما، أما فلانة، فلأنني أريد تشجيعها، أجدها "خامةً طيبة".
يختتمُ "هوفيك حبشيان" حواره بفقرةٍ تبريرية يقولها مُحدّثه :
ـ من يعرف "إبراهيم العريس" عن قربٍ يعلمُ من هو، ومن لا يعرفه يقول عنه "هذا متعجرفٌ، ومغرور".
وبدوري، أقول بأنه يستحقُ أوصافاً أكثر إيلاماً، وأتساءل علناً:
ـ هل تبقى في داخله بعض الإنسانية ؟.
هوامش:
(1) ـ نُشر الحوار في "صحيفة النهار" اللبنانية بتاريخ 15 تموز 2010.
(2)ـ "الصورة المُلتبسة : السينما في لبنان، مبدعوها، وأفلامها"، دار النهضة العربية، منشورات وزارة الثقافةبمُناسبة الاحتفال ببيروت عاصمة عالمية للكتاب.
(3)ـ روبرت فلاهرتي …….بدأ تحركه هذا منذ العام 1918، حيث حقق فيلمه الأول عن «الاسكيمو» ثم حقق «نانوك الشمال»…
(4)ـ كان «قصة لويزيانا»، الذي حققه فلاهرتي في ذلك الحين، ليصبح آخر أفلامه، حتى وإن كنا نعرف انه لم يكن أروع أفلام صاحب «نانوك الشمال» و «موانا» وغيرهما من التحف السينمائية…..
لم يمنع هذا الفيلم من ان يكون، من الناحية السينمائية، تحفة استثنائية…..
من مقالٍ بعنوان "قصة لويزيانا" لفلاهرتي: شاعرية سينمائية في عالم الذهب الأسود، إبراهيم العريس، صحيفة الحياة، 16 أبريل 2010.
(5) ـ يعتبر فيلم «الرجل ذو الكاميرا» علامة أساسية في تاريخ السينما ككل، لكنه علامة ذات سمة استثنائية، لأنه في تلك الآحايين على الأقل، لم يكن يشبه أفلاماً كثيرة، ولا حُقِّقت من بعده أفلام كثيرة تشبهه….
…. كل ما فيه انما هو حياة مدينة تفيق صباحاً وتنام مساء… وبين صباحها ومسائها يعيش سكانها حياة عادية لا أحداث فيها ولا مفاجآت…
من مقال بعنوان "الرجل ذو الكاميرا" لدزيغا فرتوف: السينما كما الحياة نفسها، إبراهيم العريس، صحيفة الحياة، 19 أغسطس 2010.
(6) ـ يمكنُ اعتبار فيلميّه "برلين، سيمفونية مدينة كبيرة" (Berlin: Die Sinfonie der Großstadt) عام 1927، و"لحن العالم"" (Melodie der Welt) عام 1929 من الأفلامالعظيمة في تاريخ السينما التسجيلية.
يعكسُ الأول نظرةً شعريةً بلاغية بدون التخلي عن البناء الزمنيّ التراتبيّ للوقائعاليومية في مدينة برلين منذ الفجر، وحتى ساعات الليل الأخيرة من خلال لقطاتٍمُنتقاة بعناية، ومُتوالية في دقةٍ إيقاعية مُتناهية .
من مقال بعنوان "عطلة نهاية الأسبوع" فيلمٌ تسجيليٌّ "أعمى" لروتمان، صلاح سرميني، موقع الجزيرة الوثائقية، الثلاثاء 24 أغسطس 2010.
(7) ـ السينما التجريبيّة، مغامرةٌ إبداعيةٌ لا تتوقف عن التجدّد, والعطاء، صلاح سرميني، سلسلة كراسات السينما، بمُناسبة الدورة الثانية لمُسابقة أفلامٍ من الإمارات في أبو ظبي2003
ـ هذه السينما التي لا حدود لها، صلاح سرميني، سلسلة كراسات السينما بمُناسبة الدورة الثانية لمُسابقة أفلامٍ من الإمارات في أبو ظبي 2003.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا صحفية، وإعلامية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























