Yahoo!

 

 


مسعود أمر الله آل علي من مشاهدة الأفلام من “خلف الدخان” الى الإدارة الفنية لمهرجان دبي

كتبهاسرقات سينمائية ، في 8 كانون الأول 2010 الساعة: 12:44 م

هوفيك حبشيان

مسعود أمر الله

نحن نبني ثقافة لا عمارة وعلى الآخرين أن يكفّوا عن اعتبارنا جيباً مليئاً بالمال

المصدر : صحيفة النهار اللبنانية

http://www.annahar.com/content.php?priority=1&table=adab&type=adab&day=Thu

 


بدأ مسعود أمر الله آل علي بالشعر في بداية الثمانينات قبل أن يتحول في منتصف التسعينات رائداً للحركتين السينيفيلية والمهرجانية في الامارات. اليوم، حين يتذكر تلك الكتابات التي يقول عنها إنها "إنشائية"، تشعر بأنه لا يزال حائراً بين ديوان الشعر والفيلم، بين القلم والكاميرا، بين الكلمة المتخيلة واللحظة المصورة، برغم انه حسم أمره منذ زمن بعيد لصالح الشاشة التي تحولت أولوية في حياته، وصارت شغله الدائم، وصانعة أحلامه. فبعدما نظّم نشاطات ومهرجانات كثيرة بدءاً من "مسابقة أفلام من الامارات"، وصولاً الى تولّيه الادارة الفنية لمهرجان دبي السينمائي، يتذكر سنوات المراهقة، تلك الأيام التي لم يكن يغادر فيها المنزل ويمضي وقته بالمطالعة حدّ أن والده كان يعتبره مريضاً.
بقيت الكتابة هاجساً عنده، الى ان دخل جامعة الامارات عام 1984 وتخصص في الاعلام. في تلك المرحلة بدأت كتاباته تجد طريقها الى صفحات الجرائد. ثم كان اللقاء الحاسم مع مادة الفيلم اثناء الدراسة، من طريق إنجاز الاعلانات والتدريب على استخدام الكاميرا ولمس هذه الآلة السحرية وتحريكها. هناك بدأ يكتشف انه بينما كان يمسك القلم ليكتب الصورة، كان يستطيع أن يذهب مباشرة الى الصورة عبر التقاطها بالكاميرا. هكذا بدأ شغفه بالمشاهدة النهمة التي ستجعله واحداً من أهم السينيفيليين في الامارات. يتذكر: "في تلك المرحلة، عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقفه فجأة لأكتب قصيدة. السينما كانت تلهمني وتأخذني الى مكان ما. فصرت أفعل عكس ما كنت افعله في الماضي: فيما كنت استعمل الشعر سابقاً لكتابة صورة، أصبحت استعمل الصورة لكتابة الشعر".
هكذا ترسخت عنده الروح السينيفيلية. علماً ان قصة حبه مع السينما لها امتدادات ابعد من ذلك. يروي لي أمر الله ونحن جالسان معاً في واحد من هذه الفنادق الفخمة التي تجسد نمط العيش والترف في الامارات اليوم، انه ووالده كانا يسلكان أزقة دبي العتمة لكي يصلا الى إحدى الصالات السينمائية. حكاية تبدو خرافية لمن لم يعرف دبي في سبعينات القرن الفائت، ولم يشاهدها الا من احدى الطبقات العالية المطلة على "لونا بارك" عصري فيه الكثير من الأضواء المشعة. "كان والدي يحملني على كتفه ويمسك طرف رجلي فندخل في ظلام الزقاق لأن الكهرباء لم تكن موجودة. وفجأة ندخل في ضوء الشاشة. فكنت أسأل نفسي كيف يمكن أن ألتقي هذا الضوء من طريق مجيئي اليه من الظلام".
في دبي السبعينات، كانت تعرض أفلام عربية وأميركية وايطالية. لا يعرف أمر الله لماذا كانت تصلهم أفلام ايطالية. ربما لأنه كانت تعلَّق لتلك الأفلام ملصقات في مداخل الصالات عليها صور فتيات شبه عاريات. طبعاً، لا يتعلق الأمر بانفتاح جنسي في الإمارة المسلمة، بل بنوع من فخّ للمشاهد، اذ لم يكن ايٌّ من الأفلام المعروضة يتضمن لقطات عري أو عرض مفاتن كالتي يعدك بها الملصق، لأنها، وبكل بساطة، كانت مقطعة. وكان يمكن العثور ايضاً على وصفات ترويجية من نوع: ثلاثة أفلام بتذكرة واحدة. أو عروض لأفلام يقال عنها "مختصرة"، اي انه كان يمكن مشاهدة اربعة منها بما يعادل مدة الفيلم الواحد. من مرحلة لاحقة من صباه، يتذكر أمر الله انه كان يرتاد سينمات مفتوحة السقف: "كنا نتابع الفيلم والنجوم فوق رؤوسنا. أما التدخين فكان مسموحاً، لذا كنت تشاهد الفيلم من خلف الدخان".
شيئاً فشيئاً، صار يميز بين الجيد والأقل جودة، وراح يعمق اطلاعه على السينما؛ يطلب الأفلام والكتب من أميركا. ثم جاءت مرحلة الفيديو التي رافقت جزءاً كبيراً من حياته. آنذاك لم تكن هناك حقوق للملكية الفكرية، فكنت تجد في الامارات كل أنواع الأفلام لا سيما الأوروبية منها. كان أمر الله يعمل باحثاً اعلامياً في شرطة دبي، عندما قرر أخذ اجازة لمدة سنة لدراسة السينما في أكاديمية نيويورك للفيلم. فتابع حصصاً في الاخراج من الجانب التقني لا النظري. هناك تعلّم فعلياً كيفية تحريك الكاميرا وأشياء مماثلة وأنجز ثلاثة أو أربعة أفلام تجريبية وهو لا يزال طالباً. ثم عاد الى الامارات مع حلم بأن ينجز الأفلام في بلد حيث الانتاج السينمائي صفر. اخرج فيلماً قصيراً، "رمرام"، عن ميثولوجيا حديثة، ذهب الى مهرجانات، وسال بعض الحبر.
هذه المقابلة أجريتها مع أمر الله في مهرجان الخليج السينمائي الماضي وننشرها هنا لمناسبة انعقاد الدورة الجديدة من مهرجان دبي بعد عشرة أيام واستكمالاً للملف الذي نشرناه قبل اسبوعين عن المهرجانات الخليجية (خارج الكادر هذا الاسبوع مخصص لمهرجان الدوحة). هناك، في المكان الذي التقيت أمر الله، كان يوجد الكثير من الشباب الذين ينمو عندهم يوماً بعد يوم شغف التعبير بالصورة. هذه التجمعات الشبابية التي كنا نراها تتبادل النقاشات حتى الصباحات المبكرة، صارت مشهداً مألوفاً اليوم، خلافاً للماضي. "في أيامنا، لم نكن نجد من نناقشه في موضوع السينما. كنت اشعر بالضياع. هناك شباب اماراتيون درسوا في الخارج قبلي وعادوا الى بلادهم لكن للأسف اتجهوا الى مجالات أخرى لأن الأرض لم تكن ممهدة، باستثناء علي العبدول الذي أخرج أول فيلم روائي طويل ("عابر سبيل") في الامارات في 1989".
بعد انهيار مرحلة صالات السينما، صار أمر الله يشتري الأفلام بكثرة، وينفق عليها من المال أكثر مما ينفقه على نفسه. فتراكمت عنده مجموعة يقدَّر انها تحتوي على 25 ألف فيلم. ثمة أفلام يعود ويشاهدها. لأنها، كما يقول، تغسله من الداخل. عام 1997، جاءت اللحظة التي لم يعد يملك الطاقة فيها ليفعل شيئاً في النهار وشيئاً آخر في الليل. استقال من شرطة دبي وذهب للعمل في المجمع الثقافي في أبو ظبي. يصف عمله في المجمع بـ"التجربة الثرية جداً" لأن العالم المتخيل كله الذي كان يتعامل واياه صار واقعاً مجسداً من خلال نشاطات المجمع. "أقمنا اسبوعاً لجيري منزل الذي جاء والتقيناه. ثم اسبوعاً لماركيز الذي حضر بدوره". مع المجمع شرعت أمامه أبواب الاحتكاك بالمخرجين، فتقرّب منهم، اذ كانت وظيفته أن يتولى ادارة وحدة الانتاج.
ثم مع مرور الزمن، بدأت تلوح في الأفق مسألة السينما. يقول أمر الله: "صحيح أننا كنا ننظم اسابيع مهمة، وكان الجمهور يستجيب، لكن كنا نريد المزيد. فبدأت ألحّ عليهم بضرورة اقامة مهرجان، لكن كان الجواب دائماً "لماذا تريد مهرجاناً ما دام ليس هناك أفلام؟". من جانبي كنت مدركاً هذه الحقيقة، لكني كنت آمل دائماً اكتشاف اسماء جديدة. أمام اللامبالاة المتكررة، قررت أن أجمع كل الأفلام التي أنتجت في الامارات، فحصلت على 58 فيلماً. عرضت هذا الكمّ على ثلاثة أيام. وأذكر أنني قلت في مقدمة الكاتالوغ بأسلوب غاضب إن السينما تهان في هذا البلد وإن الجمهور اذا حضر فسيرى ان الافلام غير صالحة للعرض، ولكن هي مجمعة لهذا الهدف، أي لتقول إنها غير صالحة للعرض. هذا اثار نوعاً من الاهتمام. فذهبتُ الى مدير المجمع محمد السويدي، لأقول له آن الأوان لننطلق بالمهرجان".
الكل كان يقول له إنه "يضع العربة أمام الحصان". لكن كانت له وجهة نظر أخرى. حين انطلقت "مسابقة أفلام من الامارات"، يومذاك بدأ ينخرط في الهموم كلها، من المونتاج الى تصحيح الكتابة مروراً بإعطاء الكاميرا لمن هو في حاجة اليها، وذهب الى الكليات والمعاهد وشركات النفط ليطلب الدعم والرعاية. في الدورة الاولى للمهرجان وصلت الى المجمع 90 فيلماً، اي أكثر من كل ما سبق جمعه في الدورة التمهيدية. جاء هذا نتيجة جهد كبير، اذ كان يدفع الشباب الى أن يصوروا. حرّض كثيرين على خوض الانتاج السينمائي. ولم يكن يعنيه الفيلم بقدر ما كان يعنيه المخرج. يذكر ان رئيس لجنة التحكيم آنذاك كان عمر أميرالاي الذي "مسح الأرض" بالجميع. ولكن كان أمر الله فرحاً بأن يتصرف على هذا النحو. قال لأميرالاي: "لا اعرف ما هي هذه التجربة!".
بعد ثلاث سنوات من انطلاق "مسابقة أفلام من الامارات"، تأسس مهرجان دبي، واتصل رئيسه عبد الحميد جمعة بأمر الله للتعاون، وصادف هذا مع التغيير الحاصل في ادارة المهرجان في ابو ظبي، ورغبتها في تحويل المسابقة من اماراتية الى دولية. هنا كانت بداية الخلاف بين أمر الله والمهرجان. حين سألته اذا كان تأسيس مهرجان الخليج نوعاً من ردّ على "مسابقة أفلام من الامارات"، التي غادرها نتيجة الخلاف، قال: "لست هنا لأتحدى أياً كان. انا هنا لأكمل مسيرة بدأت تثمر. لا ارى ان من العيب الا يكون لنا سينما، انما من العيب ان يصير العالم بصراً فيما نحن نمتنع عن ذلك. فالأشياء بدأت تأخذ ملامح ما. لست مراهناً على صناعة بل على تجارب. أراهن على خمسة. اذا اصبح لدينا خمسة سينمائيين، فهذا يكفي".
لم يكن ممكناً الحديث مع أمر الله من دون التطرق الى شؤون متعلقة بالمهرجانات الخليجية وكيفية تعاملها مع الفيلم، علماً ان حول هذه التظاهرات أقاويل كثيرة تبدأ عند الأموال المدفوعة لشراء كل شيء وتنتهي عند المنافسة غير النزيهة. هذا كله في امارات لا يزال الانتاج السينمائي فيها شبه معدوم. يستهل السينيفيلي هذا الشق من اللقاء، بالقول: "في هذه المنطقة بات من الواضح جداً ان المهرجان هو الذي يدفع بالانتاج الى الامام وليس العكس".
بعد هذا، عرّج حديثنا على الأموال التي تذهب على الضيوف والسهرات ومن أجل الاتيان بالنجوم. هنا بدا أمر الله مستفَزّاً: "هل نحن نهدر هذه الأموال في مهرجان دبي؟ هل استطيع أن أخيّرك بين أن تأكل أو تستحم! هل هناك مجال لخيار؟ في معظم الأحيان نحن نوضع أمام خيارات. أكثر من مرة سمعت من يقول لنا "لماذا تقيمون مهرجاناً وأنتم ليس لديكم سينما؟". أو ينصحون لنا بأن نضع أموال المهرجان في سبيل الانتاج. المهرجان شيء والانتاج شيء آخر، ولا يمكن الخلط بينهما. مهرجان دبي اتُهم بأشياء كثيرة من غير وجه حق. مثل القول اننا دفعنا المال للإتيان بنجوم. هناك أموال كثيرة لبست مهرجان دبي. وأنا أؤكد من هنا أننا لم ندفع درهماً واحداً لنجم".
أسأله: "وماذا عن المليون دولار الذي دُفع لجورج كلوني؟". يجيب: "من قال هذا؟ هل المهرجان أعلن عن هذا الشيء؟ عندما يأتي ممثل الى مهرجان فهل يأتي لأجل المال؟ هل كلوني في حاجة الى هذا المليون؟ هذا الذي اريد أن افهمه". نسمع أشياء كثيرة من مثل "لماذا لا تعطون المخرجين الاموال لصناعة الأفلام، بدلاً من وضعهم في فنادق "سبع نجوم"؟ حسناً، في رأيك ما الذي عليّ أن أفعله عندما يأتيني سبونسور ويقدم لي الفندق مجاناً، ماذا عليَّ أن أقول له "لا، أريد فندق نجمة واحدة"، كي يعتقد الإخوة أننا فقراء. معادلة دبي مختلفة عن معادلات مدن أخرى. المهرجان مكلف لأن المدينة مكلفة. السهرات الليلية مثلاً يقدمها الرعاة على نفقتهم. سبعون في المئة من الموازنة تعود الى الرعاة".
يشتكي امر الله أيضاً من وجود صورة نمطية في عقول الناس ازاء العرب عموماً والخليجيين خصوصاً. أبناء الخليج تطاردهم صورتان نمطيتان: "السينما الأجنبية صوّرت الخليجي بدوياً جاهلاً، بعد ذلك انتقلت الى اعتباره صاحب أموال يرمي ما يملكه على الفتيات، الى أن جاء 11 أيلول فصار ارهابياً. اذا كان الغربي يفهم الخليجي على هذا النحو، فأغلب الظنّ أن العرب ايضاً يفهمونه على هذا النحو. الخليجي لم يُنصَف. مجرد ان يكون المرء من دول الخليج، فهو ثري، وهو غبي، وهو فاحش، وهو لا يفهم! في المقابل، هو مطالَب بأن يدفع الأموال للمثقفين العرب لينجزوا أفلامهم وينشروا كتبهم ويحققوا مشاريعهم. اذاً، نحن مجرد جيب. جيب مليء بالفلوس. هم العقل ونحن الجيب. طبعاً، البلد يعيش في الفخامة، لكن هل من الممكن اعتبار كل الخليجيين اثرياء؟". في السياق نفسه، يروي أمر الله انه عندما كان يشارك في المهرجانات، كان "يكره" نفسه في أحايين كثيرة، لأنهم يأتون ليطالبوه بتمويل مشاريع، أو لكي يعرّفهم الى شيخ أو تاجر. وأحياناً يجد انهم يرافقونه فقط لأهدافهم وليس من باب الصداقة. وهو يشعر الى الآن أن كثيرين يلتفّون حوله فقط من أجل اطماع شخصية.


حسناً، هذه الاشكاليات كلها تجد مسوّغاً في أجوبة أمر الله. لكن، ما قصة كسر العضم بين مهرجاني أبو ظبي ودبيّ، الذي تطور في المرحلة الأخيرة، ولو ضمنياً؟ ينكر أمر الله بأسلوب ديبلوماسي وجود مثل هذه المنافسة العنيفة، قائلاً إنه يهمه أن يكون هناك في الامارات أكثر من مهرجان. "هذا الشيء كنت احارب من أجله منذ سنوات: أن يكون هناك فرص لمشاهدة الأفلام. كنا ننتظر الفيلم سنوات قبل التمكن من مشاهدته وكنا نعاني لإدخاله الى البلد وتهريبه من الرقابة. أن تفتح مهرجاناً، يعني أن تفتح مدرسة. خصوصاً اذا اعتبرنا ان المهرجانات باتت تؤثر وتصنع. في الدورة الاولى من مهرجان الخليج، كان اهالي السينمائيات يحذفون اسماء بناتهم من الجنريك. الآن، تغير الأمر. السعوديات كن هنا وكذلك الاماراتيات. لكن اختلف مع منطق أن نستعيد مهرجاناً موجوداً. لماذا لا ينجزون مهرجاناً لأفلام التحريك مثلاً؟ ماذا يفيد أن تكرر أغنية من بعدي؟ أنجز أغنية أخرى. لا أمانع المنافسة، بل ارغب في المنافسة التي ترفعنا الى أعلى". طبعاً، يغفل أمر الله أن المشكلة أكبر من هذا، لأن المنافسة ليست فقط بين مهرجانين، بل ايضاً بين مدينتين، و"مهرجان التحريك" لن يحرك قلب طرف في اتجاه الآخر
!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا صحفية، وإعلامية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج