عندما يخطي النقد ولا يعترف وأشياء أخرى مهولة
كتبهاسرقات سينمائية ، في 14 أغسطس 2010 الساعة: 11:19 ص
محمد رُضا

في العام 1967 كتب ناقد أميركي أسمه جوزف مورغنشتيرن مقالة نقدية في مجلة "نيوزويك" الأميركية حول فيلم آرثر بن »بوني وكلايد« قال فيه:
"لا يعرف (الفيلم) ماذا يفعل بعنفه. هل كان صانعوه حقّاً يتسلّون بعدد رجال البوليس الذين يسقطون أرضاً او بالقنابل اليدوية حولهم؟ هل اعتقدوا أنه ليس من فائدة في البكاء على الدم المراق؟".
وهو مضى ليصف الفيلم بالقبيح مضيفاً أنه
"تجارة حقيرة من نوع العنف الغبي"
بعد أسبوع واحد عاد فكتب:
"في الأسبوع الماضي في هذه المجلة كتبت أن »بوني وكلايد» تجارة حقيرة من نوع العنف الغبي لأنه لا يعرف ماذا يفعل بعنفه. أنا آسف لأقول أني أعتبر أن تلك المقالة النقدية غير عادلة بالمّرة وغير دقيقة علي نحو مؤسف. أنا آسف لأقول أني كتبتها" .
الفيلم الذي تحدّث عنه الناقد بهجاء مقذع ثم عاد فمدحه بعد أسبوع معتذراً عما بدر منه هو بالفعل أحد منارات السينما الثقافية الأميركية في مرحلة من أهم مراحلها. إذا ما كان هناك عصر ذهبي للسينما الأميركية فهو ذلك الذي امتد لنحو خمسة عشر عاماً من مطلع الستينات الى السبعينات وفيلم آرثر بن كان أحد قممها. دراما واقعية بنفس شعري حول شخصيّتين حقيقيّتين: رجل أسمه كلايد وامرأة أسمها بوني يتعارفان. تكتشف أنه لص مصارف. تلهبها المغامرة. تشترك معه ويتحوّلان الى ثنائي قض مضاجع القانون لعدّة سنوات في ثلاثينات الغرب الأميركي- أي في عز سنوات اليأس الاقتصادية.
ليست الغاية تفنيد المقالة الأولى التي كتبها الزميل ولا الثانية التي اعتذر فيها وفنّد أسباب إعجابه بالفيلم أسوة بمعظم زملائه. لكن ما يجب أن يُقال أن مقالته الأولى لم تكن صائبة في إطار الحقائق ما يجعل رأيه خارج نطاق الصحّة تماماً.
المهم أن الناقد أدرك ذلك وبادر الى فعل نادر الوجود: اعتذر علناً.
نادر لكنه يحدث غرباً أكثر بكثير مما يحدث عندنا. نقادنا السينمائيون، وأنا منهم، لم يسجلوا على أنفسهم خطأ واحداً ارتكبوه. لم يراجع أحدهم رأياً سطره او موقفاً اتخذه لا بخصوص فيلم ولا بخصوص سواه على نحو علني. ربما بينه وبين نفسه أدرك أنه ظلم فيلماً او زادها حبّتين بالنسبة لإعجابه بفيلم ما، لكن أن يكتب ذلك لقرائه فهذا أمر يعتقد أنه يعرّضه لمهانة ما. يحجب عنه الثقة التي أولاها البعض له او يجعل الذين لا يثقون برأيه يؤكدون لأنفسهم بأنهم كانوا على حق.
لكن متى يكون الناقد عرضة للخطأ؟
السؤال وجيه لأنه يقرّبنا من حقيقة أن النقد لا علاقة له بالرأي. تقول رأيك في الشيء لا يعني أنك تنتقده حتى ولو كان حاز إعجابك او لم يحز لأن النقد أعمق من مجرّد ذكر الرأي الخاص الذي كوّنته عبر أي تجربة ذاتية.
غير النقّاد يملكون هذه الحريّة الرائعة: التعبير عن رأي معيّن. لكن كل في مجال عمله عليه أن يتوقّف عن التعامل مع الرأي والتعمّق في مسألة هي أكثر بعداً وأهم قيمة من مجرّد الرأي. موظّف المصرف يستطيع أن يبدي رأيه بالوضع السياسي او بحالة الطقس لكن الراصد الجوّي لا يستطيع لأنه ملزم بحقائق ومعرفة. كذلك يستطيع سائق التاكسي أن يبدي رأياً بعمل المصارف هذه الأيام لكن موظف المصرف هو الذي يعرف الحقيقة. في السينما، كل الناس لها حق تكوين الرأي بفيلم او بمن فيه من ممثلين او عناصر فنيّة (التمثيل، التصوير، القصّة الخ …) لكن الناقد لا يستطيع. عليه أن يُعاين المسألة ويرصد الحقيقة ما يبعده عن مجرّد توفير رأي كالآخرين.
بابتعاده ذاك، لا يتعمّق فقط في الحقيقة والمعرفة بل يتجنّب السقوط في الأخطاء. وإن وقعت يجد نفسه مدرك سبب الخطأ ومكمنه ويعرف كيف يعترف به من دون أن يخاف لومة أحد
متابعة المتخصص
إبراهيم العريس نور الدين الصايل
ثم هناك الكتابة من فوق لمن هم تحت.
قبل أسابيع قليلة اعترف أحد النقاد في حديث له أنه يمتّع نفسه حين الخروج (مع زميل له) من صالة سينما فيحيط بهما البعض ليستمعوا الى آرائهما بالفيلم الذي شاهدوه. ذكر ما مفاده أنه يتبادل عن قصد هو وزميله كلمات تصف الفيلم بما ليس عليه، كالقول أنه فيلم تجريبي او أن فيه لمحة سوريالية وكيف أنه يضحك كثيراً حين يجد أن المستمعين تداولوا ما قيل كما لو كان حقيقة. هل هذا الناقد يعي ما يقول؟ ربما لا. لكن الإشكال هنا هو أنه يتعاط مع الجمهور وفي الوقت نفسه يريد أن يزدريه.
الى ذلك، فإن الحاصل حين نأخذ أنفسنا محمل الجد المطلق الاعتقاد بأننا نحن وحدنا من يعلم والباقون لا يعلمون.
في مطلع العقد الثاني من عمري، كنت سعيداً جدّاً بكوني ناقداً سينمائياً وأنني (فرضياً) أعرف أكثر من سواي فيما يخص السينما وكنت أقول لأحد أقرب أصدقائي كلّما تحدّث في الموضوع السينمائي "أنت لا تعرف شيئاً في هذا الموضوع". ومع أنني لم أقل ذلك له إلا في جلسات لا ثالث لأحد معنا فيها، إلا أنه بعد عدّة مرّات من استخدام هذه العبارة السخيفة قال لي: "أرجوك أن تتوقّف عن استخدام هذه العبارة. ليس من حقّك ذلك" .
ومن يومها لم استخدمها لا معه ولا مع سواه. اعتذرت منه على الفور واعتبرت ما قاله أمراً لا نقاش فيه فأنا في الحقيقة لا أستطيع أن أعرف ما يعرفه إلا إذا ذكره، وإذا كنت في وارد عدم إتاحة الفرصة لكي يقول ما يريد كيف لي أن أعرف؟.
إلى ذلك، هناك العديد من المشاهدين الذين يتابعون السينما كما يتابعها المتخصص ولا غرابة أنهم يعرفون فيها كما يعرف (وإذا ما كان ناقداً كسولاً او من النوع الذي وضع نفسه في صندوق ورمى المفتاح) يعرفون أكثر منه. فهل من حق الناقد أن يتعالى على قرائه او على أي أحد في الأساس؟.
بالعودة الى المقالة السلبية التي كتبها جوزف مورغنشتيرن في واحدة من أهم المجلات الإخبارية الأميركية الى اليوم، فإنها حوت خروجاً عن النص المنقود وطرح لما هو غير موجود ونظرة الى العنف كما لو أنه ورد في فيلم مؤلّف من مشاهد قتل من دون غاية او تبرير او فن عرض او أي من العناصر التي ترفع الفيلم (أي فيلم) إذا ما تحلّى بها. وهذا يذكّرني بكثير من الكتّاب السينمائيين الذين -لليوم- يكتبون خارج الموضوع فقط لأنهم يريدون الحديث في ذلك الموضوع وليس في الفيلم .
خانات نقدية

خلال السبعينات والثمانينات انطلقت في السينما المصرية ثمرات جيل جديد من السينمائيين كان مهتمّاً بتصوير الواقع كما هو. من هؤلاء خيري بشارة ومحمد خان وعاطف الطيّب ورضوان الكاشف (رحمهما الله) وسواهم. لم يكن كل الكاتبين عن الأفلام مؤيداً لما شاهدوه من نتاج هؤلاء ("العوامة رقم 70" لبشارة، »أحلام هند وكاميليا« لمحمد خان، »سوّاق الأتوبيس« لعاطف الطيب الخ000) بل كان هناك من يعتقد أن مثل هذه الأفلام تسيء للوطن. ومن دون الدخول فيما يسيء للأوطان فعلاً، فإن ما بني عليه المعارضون مواقفهم لم يكن سينمائياً، بل مواقف ناتجة عن قناعات بصرف النظر عما إذا كانت صائبة او غير صائبة (وهي بعرف هذا الناقد غير صائبة). كتاباتهم تلك دخلت، للأسف، خانات النقد وكوّنت أفكاراً سلبية لدى العديد من الناس الذين من السهل عليهم تصديق كاتب معارض على تصديق مبدع. وبعضنا يكتب بالفعل كما لو كان يمسك بحفارة طرقات ليخلع كل ما يقوم عليه الفيلم من جذوره لمجرّد أن موقفه مخالف لموقف المخرج- هذا اللهم، كما في حالة زميل شتم مؤخراً مصطفى العقاد واعتبر أنه ليس مخرجاً، "ولا حتى منتجاً" بينما الرجل كما نعلم لم يخرج أثنين من أفضل الأفلام التي تناولت التاريخ العربي فقط، بل جمع أكثر من 350 مليون دولا من سلسلة أفلام (الرأي فيها أمر آخر) هي أفلام "هالووين" المفزعة. إذا لم يكن منتجاً شاطراً فمن يكون؟.
لا عجب أن نسبة قرّاء النقد السينمائي العربي هي من بين أقل نسب المطالعة بالمقارنة مع الأصناف الأخرى من الكتابة. لقد أدّت كل هذه الاعتداءات التي يمارسها نقاد كما يمارسها كتّاب نقد على المهنة الى حد أنهم في نهاية الأمر "طفّشوا" القاريء وجعلوه لا يثق بأحد .
وإذا ما أضفنا الى كل هذا الوضع انتشار المقالات المسروقة وانتحال الشخصيات السينمائية (هذا أصبح ناقداً حين كتب مقالة او اثنتين، وذلك مخرجاً بعدما حقق فيلماً قصيراً بكاميرا دجيتال وآخر صار فيلسوفاً بمجرّد الذهاب الى "غوغل" وقراءة بضع صفحات) فإن المسألة ما عادت تتحمّل المزاح. الناقد السينمائي المتخصص بات يدافع عن وجوده ضد من هم في صفه أحياناً وضد غالبية تقف خارج ذلك الصف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























