Yahoo!

 

 


“العالم جميل يا نورالدين”،”وحنا قلال واش فينا ما يتقسم؟”

كتبهاسرقات سينمائية ، في 13 أغسطس 2010 الساعة: 22:25 م

تحية دولية

خالد الخضري
 
 
… ماذا يفيد كل هذا اللغو بعدك يا نورالدين؟
هل كان ضروريا أن تحتفي بهذه الطريقة التراجي سينمائية كي نشعر بثقل حضورك بيننا رغم خفة وزنك؟
هل كان حتميا أن ينتفي وجودك من وجودنا لنعلم علم اليقين –وليس مجرد نشعر أو نحس- أن الحب هو أسمى، أرق و أشد الوشائج الإنسانية نبلا، وهو ما كان يجمعنا بك .. لكنا للأسف اضطررنا و عن جهل مركب أن ننتظر الموت لكي ندرك هذه الحقيقة.
تماما كالسمكة التي لا تعرف قيمة البحر حتى تغادر مياهه !!
و ها قد غادرتنا ولم نمت بعدك يا نورالدين… أنت وحدك دفعت الضريبة و أديت الثمن لنعلم نحن، و لنموت بعدك غما و كمدا و كل منا في سره يقول مؤنبا ذاته: يا ليتني لم أختلف معك يواما يا نورالدين
 
فمن الخاسر الأكبر و المتضرر الأكبر من فقدانك يا نورالدين؟
*
آه يا نور الدين كم نتلذذ أحيانا و في دواخلنا بالاختلاف مع من نحب ..و كم نتعذب أكثر حين نفقد هذا الذي نحب
 و يحبنا حين لم تعد لدينا حتى فرصة الاختلاف معه. أو تلقى خطاب منه أو بعثه إليه …
 هل ندعي أن النقد السينمائي المغربي خسرك بموتك حتما لا لأن هذا النقد هو في حد ذاته مفقود و خاسر لنفسه . ففاقد الشيء ليس له ما يخسره .
جمعيتنا المباركة ( جمعية نقاد السينما) أراها حاليا ذات وظيفة إنسانية للم شتات الزملاء و إحياء صلة الرحم بين بعضهم البعض في هذا المهرجان أو ذاك أو في جمع عام لا يتلقون بعده إلا في الجمع الذي يليه لتعيين نفس المكتب تقريبا
و ليس انتخابه و هكذ… و لن أنكر أن الجمعية بواسطة رئيسها صديقنا خليل الدامون قامت بخدمات إنسانية فدة و اجتماعية لصالح عائلتك حيال فاجعة فقدك و هي عليه تشكر و كذلك الائتلاف المغربي للثقافة و الفنون .
آه يا نور الدين أنت فقط فقدت نفسك و فقدك أهلك كما نحن أصدقاؤك و زملاؤك و آه لو تعلم كم هم الذين جاءوا يشيعونك إلى مثواك الأخير .. كلهم حتى الذين كانوا يستغلونك أو ينافقونك بل و يكرهونك، كلهم كانوا هناك على حافة قبرك منهم من يذرف الدموع و منهم من يصعد زفرة و منهم من اكتفى بالصمت غير مصدق.. فما أجمل الموت حين يوحد بين القلوب و يساوي بين المبادئ.
لست أدري من القائل و لكنه مصيب حين أعلن :
" إن الموت هو الظاهرة الأشد ديمقراطية في الكون "
*
فهل جاء هؤلاء حقيقة لتشييعك أم لتشييع أنفسهم و هم يرون جثامينهم تطمر في اللحود بأمهات أعينهم قبل يغمر التراب جفونها لآخر مرة .أكيدا أن كل واحد منا كان ينظر لزميله أو صديقه و لذاته في تلك اللحظة أنه مجرد  ميت مؤقت أو لنقل مع وقف التنفيذ و هو لا يفتأ يردد له معانقا :
- " عزاؤنا واحد …" تم يضيف بصمت :   " في أنفسنا "
آه يا نور الدين ، لماذا أنت بالضبط؟ و كلنا يشعر أنك كنت الأكثر بؤسا و معاناة في و باشتغالك في هذا الحقل الجميل
 و الملغوم في آن واحد.
و إذا كنا قد قلنا و كتبنا في الثمانينات من القرن الماضي عن الراحل محمد الركاب : إنه مسيح السينما المغربية لشدة معاناته فيها و من أجلها إلى درجة الزج به في السجن بسبب تحفته اليتيمة " حلاق درب الفقراء" … فإني بكل حسرة أخلع عليك هذا الوصف بكونك مسيح النقد السينمائي المغربي لشدة ما عانيت من أجله و ضحيت منذ أن كنت عضوا نشيطا بنادي العزام ثم بنادي العمل السينمائي بالدار البيضاء -  وصولا إلى جمعية نقاد السينما – مرورا بجمعية الفن السابع بالرباط و التي عرفتني بك لأول مرة في التدريب الوطني لكتابة السيناريو الذي نظمته بالجديدة سنة 1986 .
أربعة و عشرون سنة يا نور الذين هو عمر ابنتك أمينة التي رافقتني في السيارة يوم دفنك صحبة والدتك الكريمة التي كانت صامدة و شامخة شموخ جبال الريف لا تذرف دمعا و لا تصدر شهيقا .. فقط كانت تتمتم لك بالدعاء.  أما أخوك أحمد فكدنا نخاله أنت لشدة الشبه بينكما لولا أنه أشد طولا منك و كان يتحرك يوم دفنك . و في مدخل المقبرة جاء أحد المتفقهين يمنع دخول أمينة إليها بحجة أن النساء محرم عليهن ذلك ؟ فتصديت له  و كذلك المخرج لحسن زينون :
 - أين قرأت هذا؟ و من قاله به ؟
فقال حاضر لتدخل لكن  بدون بكاء… وعقبت أمينة بصوت مبحوح :
- و هل تبقى لي من الدموع ما أبكي به أبي ؟ لا يا سيدي لن أبكي ..
 و دخلت فعلا ثم قرفصت جالسة قرب لحدك و هو يحفر .. و بين يديها شاهد قبرك الصغير محفور عليه اسمك و تاريخ وفاتك.
آه ما أقسى الحب يا نور الدين حين يتوحد مع الموت !
*
أربعة عشرون سنة يا نور الدين كنت لصقي و لم انتبه لهول حبك إلا حين فقدتك .. أربعة عشرون سنة و أنا أحاورك .. أشاكسك .. أختلف معك .. أخاصمك و أختلف معك ثم أصالحك و أحكي لك النكث فتضحك من كل قلبك إلى أن يهتز شاربك  الكثيف و تغرورق عيناك لتعقب تعقيبك الجميل :
- ولد الحرام !!
*
و كم كان يروقني أن أشاكسك و أصفك خصوصا ب " ارويشة" قائلا للزملاء، سواء الذين يستحقون منهم الهمزة أم لا يستحقون :
- إنه لدينا في دائرة النقد السينمائي فنانان أو بالأحرى ناقدان يشبهان فنانين أولهما الداسوكين و أعني به صديقنا و زميلنا نور الدين محقق . ثم الفنان ارويشة و أعني به طبعا صديقنا وزميلنا الراحل نور الدين كشطي .
فيعلق هذا الأخير ضاحكا :
 - ولد الحرام.. ما كتحملنيش …
العكس هو الصحيح يا عزيزي نور الدين .. لو لم أكن أحبك ما شاكستك .. الدليل على ذلك أنه كلما التقيت زوجتي في مهرجان ما شكوتني إليها :
- شدي علي راجلك ، كيعرني
فترد ملاطفة : بالعكس ، إنه يفعل ذلك فقط لأنه يحبك
*
و حين وردني خبر مصرعك عبر رسالة هاتفية من طرف صديقنا الدامون ، كلمت الصديق مبارك حسني ( ابيي) كما يحلو لنا مناداته أو الرئيس المصري مقلوبا أستوضحه الخبر أجاب بحرقة :
- نعم يا صديقي العزيز مات نور الدين و أنا لم أفهم شيئا لحد الآن
فدخلت للبيت و انفجرت باكيا معلنا لزوجتي موتك القاتل، فعانقتني و بكت معي و هي تسألني غير مصدقة بدورها:
- هل هو من كان يشكوك إلي ؟
- نعم
و لسوء حظك .. و حظها .. و حظي أيضا … فقد صادف يوم موتك عيد ميلادها .. فألغت الاحتفال به طبعا احتراما لحزن زوجها على فقدان صديقه  .
و هو طبعا سلوك إنسانيا جميل فيه الكثير من المؤازة و المواساة لي و التقدير لها . فماذا فعلت يا نور الدين ، ألم تجد غير هذا اليوم لتهلك فيه و أي هلاك ! فهل حين سيحل رابع يوليوز من كل سنة  سأحتفل بعيد ميلاد زوجتي أم بذكرى وفاتك ؟ !
*
آه يا نور الدين ميزتي ومصيبتي أيضا أنني إنسان ذو تاريخ لا ينسى الأحداث الجسام التي تشم حياته و محيطه لعلني منها أتعظ و آخذ العبر .
*
هي حقا غصة في النفس و الحلق لا يخفف من حموضتها و حرارتها سوى الترحم عليك و طلب المغفرة لنا قبلك لأننا أحببناك بعمق و لم ندرك قيمة هذا الحب إلا حين : فقدناك …
و رغم ذلك …
ف " العالم جميل يا نور الدين "
 
يقول هذا صديقنا ( ابيي) و رفيق الكثير من أسفارك و جلساتك مبارك و هو يقرع كأسه على حافة القنينة مصعدا زفرة تفضح عمق المعاناة ليردف قائلا :
- هل تعرف أيها ( الدولي) أن نور الدين  كشطي طوال عمره كان يتمنى تحقيق فقط ثلاث  أمنيات  ثم يموت بعدها :
الأولى : أجرة شهرية لا تتعدي خمسة آلاف درهما أواجه بها متطلبات البيت و الأسرة ، إذ لا عمل قار لي يضمن الحصول على هذا المبلغ.
ياه يا نور الدين هذا فقط ما كنت تتمناه ؟ في حين أن غيرك، و زيادة على أجور وظائفهم الرسمية المرتفعة، يربحون أضعاف هذا المبلغ في أجل أقل مما ذكرت و دون جهد يذكر؟ !
الثانية : مسكن ملكية أضمن به عيش أسرتي في مستوى كريم .
و أعلم أن جمعية النقاد تتولى حاليا و مشكورة رفقة المركز السينمائي و بعض الأشخاص جلهم من أصدقائك و زملائك تحقيق هذا الحلم و لو أنك رحلت و في حلقك غصة عدم تنفيذه .
الثالثة : طبع كتاب يضم بين ضفتيه عدد من المقالات التي نشرت كباحث و ناقد سينمائي
و هذا أيضا مطمح سهل تحقيقه ( إنما الآن ) على يد الجمعية و بعض الأصدقاء و الزملاء . لكن ماذا يفيدك هذا بعد غيابك ؟
آه نور الدين كم نغدو .. ظرفاء ..كرماء.. و أسخياء حين نفقد عزيزا مثلك فقدا نهائيا !! أما و نحن أحياء .. ملتفين ببعضنا البعض .. و نسند بعضنا البعض – رغم أننا قلة في حلبة النقد السينمائي الذي ابتلينا به – فإن الصراع و التطاحن و إلغاء الآخر هو الذي مازال يحكمنا . و للأسف، فأغلبنا تجاوز مرحلة الشباب، بل الكهولة، و ها نحن نشرئب على الشيخوخة
و رغم ذلك لم ننضج بما فيه الكفاية مع أننا فعلا قلة.
ف : " قلال حنا قلال .. يا نور الدين .. واش فينا ما يتقسم ؟ ! ".

عن جريدة " المنعطف الفني" المغربية ـ الجمعة 6 غشت 2010

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج