قراصنة أفلام طيبون
كتبهاسرقات سينمائية ، في 17 أغسطس 2010 الساعة: 12:08 م
عدنان مدانات

قبل بضع سنوات، دلني صديق ناقد سينمائي على موقع على الشبكة العنكبوتية، يمكن من خلاله تنزيل بعض روائع الأفلام السينمائية القديمة والمعاصرة المنتجة في جميع أنحاء العالم، والعديد من هذه الأفلام مجهول بالنسبة لغالبية محبي السينما الفنية، لأنها خارج نطاق التوزيع والعرض العالميين . كان التعرف إلى هذا الموقع بالنسبة لي بمثابة اكتشاف منجم لذهب الأفلام السينمائية ٠
الموقع، بالطبع، غير شرعي، لأنه يتناقض مع قوانين الملكية الفكرية والمعاهدات الدولية المرتبطة بها، ولهذا فإن المشرفين على هذا الموقع يمكن أن يوسموا بأنهم “قراصنة أفلام”، غير أنهم، في واقع الحال قراصنة طيبون أخيار كرماء، يسرقون من الأغنياء(شركات التوزيع التي تحتكر الأسواق السينمائية في العالم وتجيرها لمصلحة أفلام تجارية ترفيهية من دون غيرها، أفلام قد تتضمن في كثير من الحالات مواضيع ومضامين غير أخلاقية في إطار من مشاهد العنف والجنس)، ويقدمون ما يسرقونه من أفلام راقية هدية لمحبي السينما الفقراء، متشبهين بذلك باللص الأسطوري روبن هود

فوجئت قبل فترة بتعرض الموقع للحجب، غير أن الحجب لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تدبر المشرفون على الموقع أمورهم وتمكنوا من بث الأفلام المتوفرة لديهم عبر موقع آخر متاح، إنما هذه المرة، مع الأسف، صاروا يكتفون ببث الأفلام، لكن من دون ما كان يصاحبها في الموقع الأصلي، من حوارات متبادلة وتعليقات ومعلومات مهمة حول الأفلام وإحالات إلى مواقع مقالات عن الأفلام، يكتبها “القراصنة” المسجلون في الموقع والذين يبادرون ويقومون، متطوعين، بتنزيل الأفلام، ويطورون العملية لتصبح علاقة تبادل ثقافي، وهم لا يكتفون بذلك، بل يكتبون توضيحات حول الجهد الذي قاموا به، وهي توضيحات تتسم بالتواضع والأمانة والإخلاص للسينما المعشوقة، فقد يعتذر أحدهم، خشية أن ما قام به ليس متقناً تماماً، مبرراً ذلك بأن هذه هي تجربته الأولى في التنزيل ويعد، بالمقابل، بتحسين أدائه في التجربة التالية، أو أن النسخة التي أنزلها ليست كاملة الصفاء لكنه أقدم على تنزيلها، رغم ذلك، بسبب أهمية الفيلم، وصادف ذات مرة أن أوضح أحد القراصنة بشأن الفيلم الفرنسي الذي قام بتنزيله بعد أن شاهده وأعجب به إعجاباً شديداً وقرر تعريف الهواة به أنه بحث طويلاً عن ترجمة الحوارات للفيلم إلى الإنكليزية فما وجد، ما اضطره إلى تنفيذ الترجمة بنفسه، معتذراً في الوقت نفسه عن أي ضعف يمكن ملاحظته في الترجمة( لمن لا يعرف، فإن ترجمة حوارات الأفلام عملية شاقة لا تقتصر صعوبتها فقط على دقة التعبير عن المقابل اللغوي، بل تمتد إلى جوانب تقنية خاصة بالتوقيت يحتاج تنفيذها بدقة إلى صبر وتأن وجهد كبير)، ويحدث أحياناً أن ينشر الموقع ما يشبه نداء استغاثة من هاو للسينما قرأ عن فيلم ما وما تيسر العثور عليه، فصار يرجو من يمكن أن يكون في حوزته هذا الفيلم أن يقوم بتنزيله ٠

بفضل أولئك القراصنة صار يمكن لمحبي السينما الراقية، ولكن المجهولة بالنسبة لغالبية الناس وحتى من مواطني صانعي تلك الأفلام، التعرف إلى أفلام معاصرة ممتازة من بلدان صغيرة فقيرة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وصار يمكن، مثلاً، من خلال فيلم موجود في الموقع اكتشاف أن هناك مخرجاً شاباً في سيريلانكا وصفه ناقد سينمائي أوروبي بأنه خليفة اندريه تاركوفسكي، وصار يمكن مشاهدة مجموعة أفلام الأخوة لوميير التي أعلن من خلالها عن ولادة السينما، إضافة إلى العديد من روائع السينما الروائية والتسجيلية التي شكلت تاريخ الفن السينمائي في العالم
قراصنة أفلام أنسب ما يمكن قوله عنهم إنهم من أصحاب النية البريئة، قراصنة لا يتخفون، بل يعلنون عن أنفسهم صراحة، ينشرون أسماءهم وصورهم وعناوينهم الإلكترونية، لا يتكسبون من وراء جهودهم ولا يتاجرون، لا يسرقون الأفلام، بل غالباً ما يعثرون على نسخ منها في الأسواق مركونة في أرفف جانبية، وهي غير معروفة وغير مشهورة، فهم يعممونها على هواة السينما، وهم بهذا على العكس من القراصنة الفعليين الذين يتاجرون بالنسخ المسروقة المزورة لا يقومون بعمل يستحقون عليه العقاب، بل إن ما يقومون به يندرج تحت وضع مقبول ضمن قوانين الملكية الفردية يمكن تلخصيه بعبارة الاستخدام العادل”، وهو استخدام يعارض الاستخدام غير العادل “ للتوزيع والعروض السينمائية العالمية الذي تمارسه شركات التوزيع التي تشرع الأبواب أمام الأفلام التجارية المربحة وتسد الأبواب أمام الأفلام الفنية غير التجارية، والمشكلة الجوهرية هنا أن نوعية الأفلام المنتشرة في صالات السينما العامة تتسبب في وعي زائف بفن السينما، هذا طبعاً إضافة إلى الوعي الزائف بقضايا الواقع الحقيقية ٠
http://www.alkhaleej.ae/portal/349ea08f-0d41-44e7-8766-6d20aa6114d2.aspx
المصدر : صحيفة الخليج بتاريخ 03/07/2010
مدونة كتاب السينما/ظلال وأشباح سابقاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























